يمنيوا الشمال ويمنيوا الجنوب هوية أم واقع ديموغرافي

إن هوية الإنسان تعد أهم ركائز ودعائم تكوين الشخصية لديه. هذا إلى جانب العديد من العوامل الأخرى، سواءً المعرفية أو تلك المتأصلة والمتجذرة فيه، بحكم التراكم السلوكي والعقائدي المتوارث جيلًا عن جيل. (الدولة)

الدولة
ويكيبيديا

كل ذلك عمل على تأطير الإنسان اجتماعيًا وسلوكيًا وأيدلوجيًا، وشكل الرافد الرئيس لإنتاجه الإنساني والثقافي والإبداعي على كافة صعد الحياة. فها هي الحضارة الإسلامية على مدى حُقَبِها التاريخية التي أعقبت ظهور الإسلام وعصر صدر الإسلام، استطاعت بكفاءة تنميط الفسيفساء البشرية المتباينة، ودمجها ضمن محيط هوية واحدة سادت وتربعت عرش الحضارات، حين كان الفكر والعقيدة والتدافع الإنساني والتعبير السلوكي عنه يرتكز على ثوابت وأصول الفضيلة والصلاح. كل ذلك كعامل مشترك في تكوين الهوية العربية والإسلامية؛ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

من خلال تلك المعايير، كنا قوة لا تُقهر؛ دانت لنا الدنيا، وأنتجنا فِكرًا غَيَّرَ مجرى التاريخ. ولو كنا أحللنا ضمن منظورنا لبناء الهوية مفاهيم جاهليتنا وراديكاليتنا القديمة المتعمقة في دهاليز الانتماء العرقي والمناطقي، لكان ذلك وحده كفيلًا لإسدال ستار النهاية لفصول المشهد العربي والإسلامي.

غير أن انتهاء فترة الخلافة كان أذانًا لظهور فكرٍ سياسي مأزوم، رأى في تلك المعايير سدًا وعائقًا أمام أطماعه وأهوائه ونزواته في احتكار الريادة والأفضلية. كون فُرَصِه معدومة في تحقيق تلك الريادة في خِضَمِّ معاييرٍ وشروطٍ يرى واقعيًا افتقاره لها، ما عكس نفسه على محاولاته استبدال تلك المعايير الفُضلى بمعايير التراجع الحضاري باستحضار واستنهاض روح الانتماء العِرقي والمناطقي، والنبش في دماء الآخرين.

وحقيقة الأمر أنه قد نجح نوعًا ما ولفترات وجيزة من التاريخ، لينقلب بعدها السحر على الساحر. لترتد تلك الأدوات نفسها لصدور من نادى بها وأشاعها وتمسك بها، وكان ذات السهم الذي أصاب الجميع بمقتل. وخير دليل على ذلك ما أعقب انهيار الدولة الأموية، وتلتها الدولة العباسية، وسقوط آخر عاصمة للدولة الإسلامية على يد التتار.

تلكم بعض الدروس والعظات التي يجب علينا الأخذ بها، وتذكير كل من يدسون اليوم السم في العسل بواقعنا السياسي، ومحاولاتهم المستمرة لإنتاج نفس الأدوات التي كانت سببًا في ضياع ريح الأمة وانهيارها وترديها الحضاري وانحطاطها وتراجعها الإنساني. وهنا يجب علينا أيضًا أن نأخذ الحذر والحيطة، حيث يكمن خطر تلك المعايير من كوننا لا نملك إمكانية توجيهها ولا السيطرة على مجالات اتساعها وضيقها. فقد يضيق نطاقها أحيانًا لترتد وتطول أصحاب البيت الواحد. وهذا ما شهدنا تجسيده في أحداث يناير 1986م، وما تبعها من آثار مدمرة على الوطن، أجهزت على كافة مقدرات الدولة، وتركت وراءها موروثًا مؤلمًا من الأحقاد والضغائن، نزعُم أننا قد تجاوزناه، ونسأل الله ذلك. وورثنا أنفسنا دولة ضعيفة قُدر لها أن تكون مطمعًا لكل مجرم وناهب وانتهازي وقاطع طريق.

وهي ذات الأدوات التي أفرزت الحرب الظالمة صيف 1994م، وأجهضت مشروع الحلم اليمني بالوحدة، وأوصلتنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

وأقول لمن يقوم اليوم بنبش الأعراق وإخضاع دماء الآخرين للفحص المجهري، ويقوم بتوزيع صكوك الوطنية والخيانة والبراء والولاء على هواه وكيفما أمر: يا هؤلاء.. إن ما تدعون إليه يهدم الأوطان، وعليكم أن تتعظوا من التاريخ، ومن مساوئ الأمس القريب، وتأخذوا العظة. وأن تخوضوا المُعترك بمشروع سياسي ووطني حقيقي يُحقق حلم استعادة الدولة وتطبيب جراحات الوطن، ويعمل على رفاة الشعب على أسس حديثة تعتمد وتكفل حق المواطنة والتوزيع العادل للثروة، والمساواة في فرص العيش، وإرساء فرض سيادة القانون. بدلًا من الاستدعاء الخاطئ للتاريخ حينًا والجغرافيا حينًا آخر، والنبش في دماء الآخرين. خصوصًا وأن البعض من هؤلاء غير محصنين، ولا معصومين، ولا منزهين مما يدعون إليه. وقد تسقط ورقة التوت عنهم، لتظهر سوءاتهم أمام الجميع وأحدًا لن يُعصم وقتها من نار ما يدعو إليه، وهو فخ لا محالة سيردُ إليه الجميع بعدها. وله عظه بألا يُصيبَ نفسه بسهمه.

والله من وراء القصد..
عدن الخميس 2018/6/14
المحامي/مازن سلام

 

إقرأ أيضاً:  طبقة المهمشين وحقوق المواطنه


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

بناء عادة جديدة

الثلاثاء مايو 18 , 2021
تمت قراءته: 1٬560 لماذا سهرنا ما زال قائمًا على الرغم من انتهاء شهر رمضان الكريم؟! لأن سهرنا أصبح عادة اعتدنا على القيام بها! إذن فنحن نستطيع أن نخلق العادة. والدليل على ذلك عدم قدرتنا على النوم مبكرًا، لأننا اعتدنا لمدة ثلاثين يومًا على السهر. وبتكرار فعلنا هذا، أصبح السهر عادة. […]
العادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة