لغة الألوان

اللون ليس مادة ملموسة، بل هو إحساس ناتج عن موجات كهرومغناطيسية تشكل الضوء، تتلقى الأعين هذه الموجات وتتولى الأدمغة ترجمتها فيتولد عن ذلك إحساس نسميه الألوان.
و إذا نظرنا للعالم من حولنا، نجد أننا نعيش في محيط لوني تتغير ألوانه باستمرار، وقد تعلق الإنسان من اللحظة الأولى لوجوده بالألوان، واستخدمها في مصنوعاته وجدران مسكنه. (لغة الألوان)

لغة الألوان
Shutterstock

وحسب المصادر التاريخية، فقد استخدمت الألوان في العمارة منذ الحضارة الفرعونية في فراغاتها الداخلية وخاصة في الحوائط والأسقف، كما ظهرت المعالجات اللونية في العمارة الإغريقية نتيجة لاستخدام الجرانيت والرخام.
ويختلف تعريف الألوان باختلافِ المَجال الذي يتمّ استعمالُها فيه، فالفنّانون التشكيليون والرسّامون والعاملون في مجالات الأصباغ والطباعة عَرفوا الألوان على أنّها الأحبار والمُكوّنات الصبغية التي تُستعمل في عمليّة إنتاجها، أمّا عُلماء الطبيعة فعرّفوها على أنّها الأشعّة الملوّنة التي تنتج عن عمليّة تحليل الضوء عند استقباله في شبكيّة العين، أي إنّها الأثر الفسيولوجي الذي ينتج عن وجود المادّة الصبغية الملوّنة أو الأشعة والأضواء المُختلفة التي تَستقبلها العين وعمليّة مُعالجتها، وتُحلّلها في مراكز الإبصار بالدّماغ عن طريق الجهاز العصبي.

وتلعب الألوان دورا كبيرا في تغيير نظرة الفرد للحياة ، كما أنها تعبر عما يدور في شخصيته بحيث يتجاوب معها. و تعتبر الألوان بحد ذاتها من العوامل البيئة المؤثرة في صحة الإنسان، فهي تؤثر على العواطف والنظرة إلى الحياة وتؤثر أيضا على السعادة النفسية للفرد والمجتمع بشكل عام . كما تملك الألوان طاقة قوية، فيمكنها أن تشفيك أو تسبب لك المرض، تعالج نفسيتك أو توتر أعصابك، تنشطك أو تهدئك، تمنحك شعوراً بالدفء أو بالبرودة، تؤجج عاطفتك أو تميتها…الخ.

وفي يومنا هذا فإن دراسة تأثير اللون على الإنسان، ولاسيما تأثيره العلاجي، بصورة علمية، لايزال في طور الاكتشاف على الصعيد الدولي، ويكاد يكون مجهولا تماما في العالم العربي، لكن الغوص في بحار الألوان ومحاولة الكشف عن أسرارها لم ينته بعد. فقد أسفرت الاكتشافات الحديثة حتى الآن عن نتائج مذهلة ، فعلماء النفس أكدوا أن لونك المفضل يدل على شخصيتك ، أما الأطباء فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك فأثبتوا أن ألوان قوس قزح يمكن أن تعالج أشد الأمراض خطورة.

لقد كان أسلافنا أهل ذوق رفيع ، فها هو الشيخ شرف الدين أبو نصر محمد بن أبي الفتوح البغدادي وشهرته ( ابن المرة ) في كتابه ( مفرح النفس ) وفي باب جعل له عنواناً : فى اللذة المكتسبة للنفس عن طريق حاسة البصر يقول : ( النفس تبتهج بما كان من الأجسام له اللون الأحمر والأخضر والأصفر إما بسيطاً أو مركباً بعضها من بعض فنظر هذه يوجب راحة النفس ولذة القلب وسرور العقل ونشاط الذهن وتوفر القوي وانبساط الروح … وأنظر إلى حكمته – سبحانه – كيف جعل هذه الألوان الأربعة المذكورة – أعني الأصفر والأبيض والأحمر والأخضر في أعظم الأجساد وأشرفها وأبهجها وأحسنها منظراً وهي الذهب الأصفر واللؤلؤ الأبيض والزمرد الأخضر والياقوت الأحمر، ولم يجعل شيئاً من الأحجار أعز منها ولا أشرف، وجعل غاية كل واحد منها أن يكون بهذا اللون المذكور فتبارك الله أحسن الخالقين ) نقلا عن بشر فارس – سر الزخرفة الإسلامية.

إن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر . وإن تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات فى الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن فى القديم والحديث فضلاً عن معجزة الحياة النامية في الشجر وهى السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر .( في ظلال القرآن – الجزء الخامس ص 62252 – الطبعة الحادية عشرة لدار الشروق) .
وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن الألوان في المخلوقات الأخرى التي تدب على سطح الأرض أو تسبح في الماء أو تطير في أجواء الفضاء ، لوجدنا أن هناك مجموعة عديدة تشتهر بألوانها الجميلة الزاهية، ومنها على سبيل المثال طائفة الأسماك وخصوصاً تلك الأسماك الملونة التي تسبح بين الشعاب المرجانية في المياه الدافئة ، وكذلك طائفة الطيور وخصوصاً الطوواويس والطيور المغردة وغيرها مما تمتاز بألوانها الرائعة الجذابة وأيضاً طائفة الزواحف التي تزحف ببطنها على سطح الأرض والتي يمتلك البعض منها ألوانا غاية فى الروعة والبهاء .

فالله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال لذلك كان هذا الكون بكل أممه ومخلوقاته تحفة فنية رائعة تأسر اللب بمناظرها الخلابة سواء في الطبيعة أو في الإنسان نفسه . بجمالها وأشجارها وأزهارها وشمسها وقمرها أو في الإنسان باختلاف ألوانه وتباينها أو في الحيوانات والطيور المغردة والأسماك الزاهية… الخ (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) لقمان 11.

إقرأ أيضاً:  هل نستطيع زيارة الماضي؟ السفر عبر الزمن باستخدام محركات الازاحة الزمنية

مساحة إعلانية


فن قراءة الألوان – لغة الألوان

لقد كثر الحديث عن فن قراءة الألوان في هذه الأيام ، فهناك الكثير ممن تحدث عن فلسفة الألوان وأثرها على النفس البشرية وانعكاس اللون وسطوعه وقوة نفوذه على الشخص، وكذا مدى انسجامه مع الألوان التي حوله .
فنجد في بعض الأحيان من يبدي ارتياحه للون معين أو عدة ألوان و من يبدي انزعاجه من لون بعينه أو عدة ألوان، وهذا دليل واضح وواقعي على أن للألوان تأثيرات معينة على النفس البشرية و إن كانت هذه التأثيرات محدودة بعض الشيء.
وقد أصبح للألوان أجناس متنوعة ، فهناك الألوان الرسمية وهناك الطفولية وهناك الألوان الأنثوية وكذا التي توحي لك بالجفاف والغلظة، وهناك ألوان حب وألوان كره وألوان حزن وألوان صفاء ونقاء، وهناك ألوان تجذبك إليها وفيها كاريزما خاصة بها ، كذلك هناك ألوان تختلف بمدى انعكاسها على العين من شخص لآخر.

وقد اتسع هذا الفن مع تطور التقنية الحديثة وخروج برامج تقوم بدمج الملايين من الألوان ووجود أشخاص يعطون قراءات فنية تفصيلية لانعكاس الألوان وأهمية اختيار اللون المناسب في التصميم أو المكان المناسب .
ففي اللون قوة … انه ينشط أو يهدئ ؛ يثير أو يسكن ؛ يشعر بالحر أو بالبرد ؛ يزعج أو يفرح ، يولد الإحساس بالشغف أو يرفع المعنويات ؛ إن فهمنا للألوان يعطي بعدا آخر لوعينا.

معظمنا يتذكر أنه سئل في الصغر ( ماهو لونك المفضل؟) حتى في تلك الأثناء كنا نشعر أنه بإمكاننا معرفة الكثير عن أحدهم من خلال لونه المفضل بالتحديد، بالرغم من عدم إدراكنا للسبب ، وهذا يفسر في الواقع أن طاقة بعض الألوان لها تأثير حسي علينا.

حتى أن لغتنا مليئة بالتعابير اللونية التي تبين معلومات حسية فنقول مثلا : ( هذا الشخص يتلون مع الظروف ؛ يرى الأمور بالأبيض والأسود؛ خط أحمر؛ أحلام وردية؛ السوداوية؛ قلب أبيض أو قلب أسود ؛ احذروا أصفر الوجه …الخ . وتسمى الحياة الخالية من المشاعر (لالون لها) .

ويمكن للون معين أن يغير المحيط الذي نعيش فيه ويضاعف إنتاجنا ؛ ويعزز حياتنا الاجتماعية ويحسن صحتنا . كما يمكن استعماله لتطوير وعينا الذاتي ولنكون كائنات سعيدة ؛ مليئة بالحياة والحيوية .

هندسة الألوان – لغة الألوان

قفزة جديدة في بُعد جديد، ونحو أفق جديد، فقد ندر من كتب في علم الألوان ، أو من تطرّق إلى تأثير الألوان في الإنسان متقصّياً علاقتها بحياته اليومية، أو باحثاً عن دورها في تطوره الذاتي! … قليل من كتب عن معاني الألوان، انعكاساتها ، وتأثيرها في النفس. تعتبر الألوان لغة الأجسام الباطنية، وغذاء الباطن، مثلما الطعام غذاء الجسد.
فإذا ما بحث رجل العلم أو الطبيب فى هذا العلم، وجد فيه حقائق علميّة و طبية جديرة بالبحث، وإن بحث فيه الرسام، استشفّ فيه لوحات حياتية، و اتّخذ من معلوماته واقعاً، أو بُعداً يضيفه على لوحاته الفنية .

إن تأمله الشخص العادي، تعرّف إلى الألوان في كيانه، وفي الحياة من حوله، وأدرك معاني رموزها وإن درسه طالب المعرفة، أو الباحث في أغوار باطن الإنسان اكتشف فيه أبعاداً خفية، أو تكشّفت أمامه آفاق لم يقع عليها بصره قط!… ما هي الألوان، إلى ماذا ترمز، وعلى ماذا تنطوي؟ كيف تتفاعل الألوان، وكيف تؤثّر في تصرفات الإنسان أو تتأثّر بها؟.
غرائب وعجائب وأسرار غريبة ومخيفة و حقائق علمية عن الألوان، وماهيتها، وكيفية العلاج بها، بل وفلسفتها… فخلق الله سبحانه وتعالى السماء بهذا اللون، وجعل الزهور لها ألوان محددة، والشجر باللون الأخضر كل تلك الأمور لم تخلق عبثًا ولكن لحكمة ربانية، أخيرا أحب أن أقول أننا مازلنا في بداية الطريق نحو فهم لغة الألوان وأهميتها السحرية .

مجالات استعمال الألوان – لغة الألوان

تعتبر الألوان الشيء الجميل في حياتنا، والتي تعطي الحياة معنىً، فلولا الألوان لما استطعنا تمييز الأشياء، ولأصبحت حياتنا بائسة تفتقر إلي المرح والسرور، حيث أنّها تعتبر باعثاً للحيوية والنشاط والجمال.
ويختلف تأثير الألوان على الإنسان من لون لآخر، حيث أنّ كل لون يمتاز بخصائص معيّنة تكسبه سمات تميّزه عن غيره من الألوان، وهذه السمات تعطي اللون قدرة على تغيير مزاج الإنسان، بالإضافة إلى قدرة بعض الألوان على علاج بعض الأمراض أو التخفيف من حدّتها.

التأثير السيكولوجي للون

لا يتفق الكثير من الناس على أنّ الألوان تؤثّر على الحالة المزاجيّة للشخص أو على شخصيته، لكنّ علماء النفس أثبتوا أنّ الألوان لها تأثيرها السلبيّ والإيجابيّ على سلوك وشخصيّة الشخص من الناحيتين النفسيّة والروحيّة، وحتّى في المجال الطبي أثبتت العديد من الدراسات أنّ الضوء ذو الألوان المختلفة يساعد في الشفاء والاسترخاء، فاللون يؤثر فينا من يوم ميلادنا حتى يوم مماتنا، ويستطيع تغيير حياتنا وأمزجتنا ، وقادر على تغيرنا فسيولوجيا واجتماعياً ونفسياً كذلك .

تؤثر الألوان على الطبع والمزاج ، فتحدث أحاسيس ينتج عنها اهتزازات، بعضها يحمل سمات الراحة والاطمئنان، والآخر يحمل صفات الإرهاق والاضطراب، فاللون يسمو بالروح ويغذي الأعصاب ، ويريح الإحساس ، وله تأثير واضح في حياتنا اليومية ، فمنه ما يحفز الهمة ، ومنه ما يحبطها ، ومنه ما يوحي بالدفء ومنه ما يوحي بالبرد . وقد يحمل اللون الواحد تأثيراً مختلفاً من شخص إلى آخر كالأخضر مثلا فقد يوهم البعض بالقلق والاضطراب ويوحي لآخرين بالخضرة والطبيعة.

لماذا العلاج بالألوان حيث أن هنالك وسائل أخرى عديدة؟

يقول ( غاديالي ) : إن آلاف العقاقير تستخدم في الطب ويسأل : هل من الحكمة إلقاء هذه الكمية داخل الجسم البشري طالما أنها لا تندرج في تركيب الجسم ؟ وأضاف : إن المواد الكيميائية هي فعاليات الحياة ، ولذراتها تجاذب وتنافر ، وإن السعي لإدخال معادن عضوية عشوائياً في آلة عضوية يشبه تغذية طفل رضيع بالمسامير الفولاذية الصغيرة لجعله قوياً .
وهناك نقطة أخرى أثارها ( غاديالي ) في هذا الخصوص، وهي أن أحد أسباب الأمراض الرئيسية هو انحراف في الجسم نحو أعلى أو أدنى من النسبة المئوية الطبيعية ، ولكن الأطباء غالباً ما يزيدون الاختلال دون قصد أو يقلبونه إلى الجهة المعاكسة بعلاجاتهم، ومن هنا تنشأ الأمراض الكثيرة التي تحدثها العقاقير .

وعلى النقيض من ذلك فإن العلاج باللون لا يترك مخلفات مؤذية تحتم على الجسم أن يعمل بجد لطرحها .
كتب الجراح الشهير ( هينباج أوغلفي ) يقول : ( الرجل السعيد لا يصيبه السرطان أبداً ، وقد عرفت حالات السرطان تقريباً بعد كارثة ما ، حرمان ، انفصال علاقة حميمة ، أزمة مالية أو حادثة ، هذه الحالات عديدة بحيث تعطي الإيماء بأن قوة ضابطة كانت تمنع المرض من الثوران والانتشار قد أزيحت من الطريق ) .

خاتمة

لعلّ الزمن القادم يفصح عن بعض الأسرار التي كشفها القرآن العظيم عن الألوان وما فيها من بديع صنع الله وقدرته وآلائه، وما أودعها -عز وجل- من أسراره ولطائفه. فمع الألوان تعلم الإنسان المعيشة على الأرض، ومن وحي الطبيعة اختار ألواناً للحب وأخري للحرب . ترى ! هل سيأتي اليوم الذي سنجد فيه معاهد متخصصة للعلاج بالألوان ؟ وهل سيصبح العلاج بالألوان هو صيحة القرن القادم…… ؟ نأمل ذلك.

مصادر يمكن الرجوع إليها :
– كتاب علم الألوان ( الأشعة اللونية الكونية والإنسانية ) د. جوزيف مجدلاني.
– كتاب أثر الألوان على العقل والجسم- تأليف الدكتور أحمد حجازي.
– بعض المواقع علي الشبكة العنكبوتية.

د. محمد السقا عيد
استشاري طب  وجراحة العيون
عضو الجمعية الرمدية المصرية

(لغة الألوان)

إقرأ أيضاً:  "المخدرات الرقمية". جرعات موسيقية تـُفقد الوعي


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

البحيرات الملونة

الأربعاء نوفمبر 24 , 2021
تمت قراءته: 1٬934 أزرق… ما الذي يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع هذه الكلمة، أظن أنك قد رأيته في مخيلتك الآن، لكن للأسف يا صديقي، أنت مخطئ! ليس هذا ما أتيت لأتحدث عنه بخصوص ترجمة ذاكرتك لكلمات الألوان. (البحيرات الملونة) بل ما أردته هي الصورة الأخرى التي تلت اللون الأزرق الذي […]
البحيرات الملونة

6 تعليقات على “لغة الألوان

  1. الاخ الفضيل العلامة د. محمد السقا عيد..سعداء بكونكم معنا في (المقالة..سبيلك إلي المعرفة). إنتم إضافة قيمة لهذا الموقع.. نترقب بشوق عديد مساهماتكم القيمة..
    ناصر سنه.

    1. أستاذي أنتم السابقون ونحن التابعون….. منكم نتعلم أستاذي فأنتم فخر لنا ….ماشاء الله مقالاتكم الرائعة والمميزة أو بمعني أدق الأكثر تميزا…. تزين الموقع … دمتم لنا فخرا أستاذي محمد السقا عيد

  2. أرجو من سيادتكم كتابة الاسم كما هو مرسل. دكتور محمد السقا عيد لأن هذا هو الاسم الادبي المعروف …وعلي فكرة هو مختصر كمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة