“آسفي” المغربية: حضارات، صناعات تقليدية

“مصب النهر، ومنارة الضوء”.. حاضرة عريقة من حواضر المغرب تحتضن عدداً من المعالم التاريخية. ومركزاً حرفياً قوامه صناعات خزفية، وثروة سمكية. (آسفي المغربية: حضارات، صناعات تقليدية)

آسفي المغربية
موقع المعلومات

وصل إليها القائد الفاتح “عقبة بن نافع”عام 681م. وترك بها صاحبه “شاكر” لتعليم البربر اللغة العربية والتعاليم الإسلامية. ولهذا التابعي رباط مشهور يعرف برباط “سيدي شيكر”. وهو من أقدم الرباطات بالمغرب، يحضره العلماء والعامة. وورد اسمها ضمن أمهات المعاجم كمعجم البلدان لياقوت الحموي. وذكرها الرحالة “ابن بطوطة” في مذكراته، و”الشريف الإدريسي” في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”. وشكلت وجهة مفضلة للأسر الأندلسية والعربية من تطوان، وفاس، والرباط، وسلا.

أعرق الحواضر المغربية

تقع “حاضرة المحيط الأطلسي” (حسب تسمية ابن بطوطه) على شواطئ المحيط بين مدينتي “الجديدة”، و”الصويرة”. وتبعد عن “الدار البيضاء” بنحو 236 كم، وعن “مراكش” بحوالي 160كم. ووفق تقديرات 2007.. بلغ عدد سكانها حوالي 000 800 نسمة. مدينة “ساحرة، غامضة” جعلت العديد من الفنانين والرسامين والسياسيين يتخذونها مستقراً لهم ليستمتعوا بأسواقها، وحركتها الدائبة. حيث تتميز المدينة القديمة بأزقتها الضيقة، وتزخر بصناعاتها التقليدية وبالخصوص صناعة الخزف. لكن أول ما يشد انتباه الزائر للمدينة مآثرها التاريخية، وقلاعها الأثرية التي يعود تاريخها إلى العهد الفينيقي، وإلى القرن الحادي عشر الميلادي. وهي مدينة الجوامع المنتشرة، وتبرز صومعة الجامع الكبير (تعود للعهد الموحدي)، وبالمدينة مراقد عدة للأولياء الصالحين. ويطل “قصر البحر” علي المحيط الأطلسي، وميناء الصيد البحري. أسسه البرتغاليون في القرن السادس عشر الميلادي لحماية المدخل الشمالي للميناء. لذا فكانت أبراجه مُحصنة بالعديد من المدافع الحربية. وبات مقراً لإقامة عامل المدينة. وقد أعيد ترميم القصر عام 1963.

واعتبرت “آسفي” “مرفأ/ مدينة دبلوماسية” ترسو به السفن الأوربية الراغبة في ابرام الإتفاقيات الدولية بالعاصمة مراكش. ويسكنها السفراء والقناصل، مثل “غيوم بيرار” مُمثل ملك فرنسا هنري الثالث لدى المولى “عبد الملك”، و”جون موكي” صيدلاني الملك هنري الرابع، وقنصل الدانمارك “جورج هورست”. ويفد إليها المبعوثون البريطانيون قبل التوجه إلى العاصمة. فنزل بالمدينة البحار الإنجليزي “هاريسن” لتسليم رسالة من ملك إنجلترا تشارلز الأول. واتخذها المرابطون مركزاً لتجميع قوافل الذهب الأفريقي الذي ينقل عبر السفن إلى الأندلس لسك النقود. فأصبحت مرفأ الدولة المرابطية، وجعلها البرتغاليون ميناء رئيساً لتصدير الحبوب، والسكر، والصوف.

ومع توافد جالية إنجليزية كبيرة إليها في القرن التاسع عشر، أقاموا بها مركزاً تجارياً كبيرا. فكانت مخزناً لتجميع ما يصدر منها إلى إنجلترا. وتمركزت فيها “دبلوماسية السكر” حيث كان السكر القادم من “شيشاوة” في مقدمة المواد التي تسوقها المدينة لانجلترا. كما كانت منطلقاً لملح البارود المغربي المتميز والمُعتمد من الدفاع الحربي الإنجليزي. كما تصدر “الشمع” المتميز بقوة نوره، وعبق رائحته. هذا فضلاً عن تزودها أوروبا بأجود الصقور المغربية التي ساهمت في تطويرهواية القنص.

(آسفي المغربية)

إقرأ أيضاً:  قرية "الحرانية" تغزل فنوناً عالمية

مساحة إعلانية


نموذج مصغر للتعايش المغربي

تتميز “آسفي” بتنوعها الثقافي، وتعدد روافدها الأنثروبولوجية العربية، والأمزيغية، والصحراوية، والأندلسية، والإسبانية، والبرتغالية، والإنجليزية الخ). فميناء “آسفي” لسان حال المدينة العريقة، حيث يتم تداول مصطلحات كثيرة بلغات عديدة. فالعنصر العربي الإسلامي هو الأساس الذي عرفته “آسفي”. وذلك مع وصول القائد الإسلامي “عقبة بن نافع”عام 681م. وعلي شاطئ المحيط تمني استكمال فتوحاته لو علم أن خلفه أرضاً أخري. وتتحدث غالبية سكان “آسفي” اللغة العربية، كما تنتشر اللغة الأمازيغية. والعديد من عائلات المدينة ذات أصل أندلسي جاءت عبر طريق فاس-آسفي. وقد ساهمت الأسر الأندلسية إسهاماُ كبيراً في تطوير صناعة الفخار والخزف بآسفي.

وبالإضافة إلى الأطباق المتنوعة، والأكلات المشهورة، هناك الموسيقي النقية التقليدية، ومنها: “فن العيطة” (النداء). وتهدف لنداء القبيلة لإستنهاض همم الرجال، واستدعاء ملكة الشعر والغناء. فهي مقاطع غنائية وفواصل موسيقية إيقاعية تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. ولقد صنف المهتمون هذا الفن إلى ثلاثة أشكال: المرساوي، الحوزي، الملالي.

“آسفي”، والخزف – آسفي المغربية

من بين مآثر المدينة الهامة “المتحف الوطني للخزف” الذي أسس عام 1990. ويضم مجموعة من القطع الخزفية (التقليدية والحديثة) المتميزة بأشكالها الهندسية، وألوانها البديعة المتناسقة. ولقد ارتبطت صناعة الخزف بهذه المدينة العريقة. فهي أحد أهم حرفها التقليدية ذو المكانة العالمية، ومعلم من معالم تراثها الثقافي والسياحي. مما يسهم في تنميتها الإقتصدادية والإجتماعية. ووفقاً لنصوص تاريخية، فإن أول من صنع الخزف بمدينة “آسفي”، البحارة الفينيقيين. ثم استمر أهل المدينة الأمازيغ والعرب بتطوير الحرفة وإدخال التعديلات عليها، من زخرفة وتلوين وتشكيل. وتتمركز صناعة الخزف في حي “الشعبة” الذي أسس لإحتضان العدد المتزايد من حرفيي الخزف. حيث يوجد بها حوالي مائة خزفي يمارسون عملهم في أربعة وسبعين ورشة مجهزة بـمائة وثلاثين فرناً تقليدياً. كما توجد “هضبة الخزف” وهي أقدم حي في المدينة يعمل فيه أكثر من ثمانمائة حرفي في سبعة وثلاثين ورشة مجهزة بـسبعين فرناً تقليدياً.

كما توجد بالقرب من “آسفي” قرية نموذجية لصناعة الخزف (قرية سيدي عبد الرحمن)، وتحتوي علي ثلاثين ورشة خزفية. وتتكون المادة الأولية للخزف من الطين والماء وبعض المواد الكيماوية والخشب التي يتفنن الحرفيون في توليفها وإعطائها أشكالاً هندسية رائعة.

“أسفي”، والسمك – آسفي المغربية

في 10 يوليو 1999.. دخلت مدينة “آسفي” موسوعة الأرقام القياسية “جينيس” لإنجازها أكبر طاجن سمك سردين ساهمت في إعداده 200 سيدة. وقدم للمحتاجين صحبة 3 أطنان من السردين المشوي. ويعتبر قطاع الصيد البحري (وبخاصة صيد السردين) من أهم القطاعات الإقتصادية الحيوية بآسفي. يعمل به نحو 21 ألف بحار. وعلى الرغم من أن صناعة تصبير السمك قديمة في المنطقة وتعود إلى عام 1930 إلا أنها تطورت كثيراً عام 1990. حيث تم إنشاء عدد كبير من شركات تصبير السمك (28 شركة). وهي تقوم بتصدير السمك المغربي المصبر إلى الدول العربية والأوربية والآسيوية. وخلاصة القول: “آسفي” المغربية لها تاريخ وثقافة عريقة، ومثالاً فريداً في التعايش والإنسجام. من قديم.. “روضت” الطين فجعلته من منتجاته الحياتية لغة شعرية، ولوحة تشكيلية. ولقد أفلحت في تحدي أمواج البحار فأضحت عاصمة العالم في صيد السردين. وأغرت بلذائذ ثقافتها وتاريخها وخزفها وأسماكها جيرانها فجاؤوها.. زواراً عابرين، أو طامعين محتلين.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

(آسفي المغربية)

إقرأ أيضاً:  "ديرُ القمر".. تاريخ ودُرر


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

وعلمك ما لم تكن تعلم

الخميس يناير 13 , 2022
تمت قراءته: 3٬017 من الحقائق الغضة الناصعة أنّ هناك بيان واضح للذين يعيشون تحت أديم السماء أنّ العلم فريضة، خصوصا للذين آمنوا بالله، قال النبي صلى الله عليه السلام: “- طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ” [1]الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : السيوطي | المصدر : الجامع الصغير […]
وعلمك ما لم تكن تعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة