بدون مقدمات

أصبحنا نسير إلى أقدارنا بدون مقدمات، وهذه الأسباب وتلك المقدمات ما كانت لنا إلا عبرة واتعاظًا. تلاحقت الأحداث وكثرت وتعاقب بعضها بعضًا، حتى أنك ربما لا يسعفك الوقت لتقديم واجب عزاء أو فرح. بل وأصبحت مطالبًا بأن تكون متحول المشاعر في لحظات، فيظهر على وجهك الحزن عند تقديم العزاء، وبعدها بلحظات قبل أن تنسى حزنك، عليك رسم ابتسامة عريضة تملأ وجهك، لتشارك بها في أفراح الناس؛ وكل هذه علامات ودلالات للعودة لرب الأرض والسماوات. (مسببات الفتن)

مسببات الفتن
Wallpaper-HD

فكان الله عز وجل يذكر أقوامًا قبلنا بأنهم يُفتنون في كل عام مرة أو مرتين، وما تلك الفتن إلا لأجل العودة إليه سبحانه وتعالى.

(أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ۝ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [سورة التوبة 126 – 127]

وأعيدك حبيبي القارئ لإعادة قراءة الآية الكريمة، وأن تقف، لا أقول لك مع كلماتها، وإنما تقف مع حروفها. فالعلة من فتنة القوم التوبة والتذكير، يعني أن الفتنة والابتلاء يكونون في العام مرة أو مرتين، وذلك استنكره ربهم عليهم أنه غير كافٍ لرجوعهم وتوبتهم، وأن الفتنة في العام مرة كافية للتذكير.

ثم كان حالهم بعد الفتنة كأنهم لصوص في انصرافهم عن هذه الفتنة وهذا الابتلاء. ومن قلة فقههم وعلمهم، يُصرفون فيصرف الله قلوبهم عن الحق.

إقرأ أيضاً:  واهجرهم هجرًا جميلًا

فتن متلاحقة (مسببات الفتن)

والناظر عباد الله في أحوالنا، يرى أننا أشد فتنة من الذين سبقونا، فلا يكاد يمر على أحدنا يوم دون أن يُفتن في عزيز عليه أو حبيب. نعم ربما تجد أحدهم إذا أُصيب في عزيز عليه وجدته ملتزمًا للمسجد طالقًا للحيته، وما هي إلا أيام معدودة ثم ينصرف عن ذلك، إلا من رحم رب العالمين. وكذلك الفتاة أو المرأة، تجدها ربما طلقت الدنيا بما فيها وكرهتها، ولجأت لربها سبحانه وتعالى وتحجبت، وبعدها بأيام معدودة يعود الأمر إلى ما كان عليه، إلا من رحم رب العالمين.

  • هذا فقد صحته بعدما كانت تهتز تحت قدميه الأرض ولا نعتبر.
  • وهذا فقدناه بين من سبقونا إلى القبور وكان منذ لحظات يُآكلنا ويُشاربنا ويشاركنا الضحكات ولا نعتبر.
  • وهذه انكسر قلبها بعد أن كانت صيحاتها ترج الأرجاء، ونحن لا نعتبر والسعيد من وُعظ بغيره والشقي من وعظ الناس به.

يا أحباب والله في كل يوم فتنة وابتلاء فهل من متعظ قبل لقاء رب الأرض والسماء.

نعم صدق من قال الموت أقرب لأحدنا من شِراك نعله، فلا تأملوا في الدنيا ولا تسَوِّفوا التوبة. والموت كأس والكل شاربه صغيرًا كان أم كبيرًا، فتوبوا إلى الله جميعًا. فلا أمل إلا فيما عند الله، وأما الحياة الدنيا فمتاع الغرور.

«نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ»

وها هو صلى الله عليه وسلم يوضح لنا ويبين أن من بين نعم الله، فهناك نعمتان لا بد وأن يتلبس بهما العبد في أي وقت، ومع ذلك لا يؤدي العبد شكرهما لله لأنه غرر به.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ» [1]الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : أبو نعيم | المصدر : حلية الأولياء. الدرر السنية.

والصحة والفراغ إما أن يُغبط عليهما العبد لحسن شكره لله عليهما وحسن العبادة التي يتزود بها حال سلب هذه النعم،
وإما أن يكون مغبونًا أي لا يؤدي شكر هذه النعم لربه ﷻ. ونحن نرى ذلك رأي العين، إذ أصبح الاهتمام الصحي والجسدي لا للتقوية على عبادة الله من طول قيام الليل أو صيام بالنهار أو عون محتاج، وإنما للتباهي والتفاخر والسير في الطرقات مستعرضًا بالعضلات، حتى إن الأمر طال النساء والفتيات، وكأننا نتلذذ بعصيان الله. فلذة المعصية تذهب ويبقى عقابها، ومشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها.

وإذا ما سُلبت النعمة، تجده يطلب الدعاء والرقية، ويحاول جاهدًا العودة إلى الله. ولو أنه عرف الله في الرخاء، لعرفه الله في الشدة
فهذه ليست دعوة لليأس أو الزهد في الدنيا وإنما دعوة لشكر الله على نعمه.

إقرأ أيضاً:  فقط كلمة!

وأما الفراغ، وما أدراك ما الفراغ! (مسببات الفتن)

فالفراغ سبب في كثير من الطوام، على الرغم من أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي حياته ما بين عمل وعبادة وذكر لله.

وأما نحن فما كثرت المنكرات إلا ووجدت خلفها كثيرًا من الفراغ، فخراب البيوت يكون بسبب الفراغ. الرجل الذي يكون في فراغ، تجده كثير النكد على أهله، كثير في افتعال المشاكل، إلا من رحم الله. والمرأة كذلك، إذا ملكت من الوقت فراغًا، تجدها تستغله أفضل استغلال للغيبة والنميمة والسحرة والدجالين والمشعوذين وما شابه ذلك -طبعًا إلا من رحم ربك سبحانه وتعالى-.

ومشاكل العمل غالبها بسبب الفراغ.

وغالب المشاكل الحياتية سببها الفراغ.

حتى إنه اندرج على لسان العوام من الناس حينما لا يرون خيرًا من أحدهم “روح شوف لك شغلانة”!

لذا يا أحباب (مسببات الفتن)

إما إن تؤدي شكر هذه النعم بالذكر والعبادة والطاعة واستخدامها في مرضاة الله فتكون مغبوطًا على صنيعك هذا، وساعتها تكون عالمًا على يقين بأن الفتن أصبحت بدون مقدمات؛ أو إنك تكون مغبونًا في هذه النعم، لا أديت شكرها ولا استغلتها استغلالًا صحيحًا فيما ينفعك، وابتغاء مرضاة الله، وساعتها وجب علينا أن نُذكرك بأن الفتن أصبحت بدون مقدمات.
فلا تنسَ عزيزي القارئ أبدًا هذه الآية التي دللتك عليها، بأن الله استغرب على قوم يفتنون في العام مرة أو مرتين؛ فكيف بنا ونحن نُفتن في كل يوم مرة أو مرتين. فأولى بنا أن نفيق ونعود لربنا سبحانه وتعالى ونجدد توبتنا بعد الانتهاء من القراءة. عسى الله أن يثبتنا على الحق ويقبضنا إليه غير مفتونين.

حفظنا الله وإياكم من كل مكروه وسوء وتذكروها فلقد أصبحت بدون مقدمات.

كتبه
محمد بدر
معلم بالتربية والتعليم بمصر

 

إقرأ أيضاً:  من أراد، استطاع!


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


الملاحظات أو المصادر

الملاحظات أو المصادر
1 الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : أبو نعيم | المصدر : حلية الأولياء. الدرر السنية
⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

هل نستطيع تغيير الواقع لما نريد؟ تأملات فلسفية في الكهرومغناطيسية

الأثنين يوليو 5 , 2021
تمت قراءته: 1٬443 هل نحن نرى ما نرى حقًا؟ (تغيير الواقع) قبل أن نبدأ، أدعوك عزيزي القاريء لتُنحي كل قناعاتك السابقة جانبًا، وأن تقرأ هذه المقالة بعقل مفتوح تمامًا. (تغيير الواقع) بداية دعني أذكرك ببعض ما درسناه في المرحلة الابتدائية عن الضوء، وأننا لا نستطيع أن نرى أي شيء من […]
تغيير الواقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة