تجليات الجمال، صيرورة المفهوم ومجازات المعنى

تهتم الجمالية بدراسة جمال المنظر أو النص، أو إنسانيا مثل جمال الخلقة، وتعنى أيضا بدراسة كل سلوك محدث لفعل جمالي، فهي أيضا تهتم بدراسة الانفعالات والإدراكات الحسية عامة. فالجمال ليس في ذاته يكون، بل في ملاحظته، في تعيينه وتقديمه في إطار معين. (تجليات الجمال، صيرورة المفهوم ومجازات المعنى)

تجليات الجمال
My Modern Met

فعلم الجمال هو العلم الذي يبحث في ماهية الجمال، ووظائفه وأدواته، ويعنى ذلك أنه ليس علما تأمليا خالصا يدخل الجمال ضمن منظومة فلسفية تجرى عليها ما يجرى من تصورات ميتافيزيقية. ان مشروعية قيام علم لدراسة الجمال يتعرض لرفض صارم ابتداء من التفرقة بين فلسفة الجمال، وعلم الجمال، كما أن التصور المعياري المتضمن في هذا العلم يرفض من زاوية وجود المدى داخل النص المبدع ووجود الذوق لدى المتلقي، وكلها مقومات نفسية واجتماعية نسبية تتعارض مع الضبط المعياري العلمي في الحكم على الظواهر والنصوص. فلا يوجد في نظر علم الجمال نص نموذج أو شكل ثابت أو نقي. إن الجمال صناعته إنساني يعيش بعيشه ويخلد بخلوده وينمو بنموه ويختلف باختلافه. وبذلك يتدخل الجمال، داخل النص، بمنظومات أخرى كالحقيقة والمثل الأعلى. كل هذه تخلق غموضا حول فكرة الجمال ثم عن دور فلسفة الجمال في كشف غموض الجمال وسحره الروحي، ذلك الغموض الذي يسبب لنا متعة مضافة وحافزا للفهم، وتحليل العلاقات، ويؤدى إلى خلق حالات رامزة تدفع إلى التأويل وخلق نصوص موازية للنص الغامض، وقد تؤدى هذه العملية الصعبة إلى متعة اكتشاف النظام الذي يقوم عليه النص، والوصول إلى الحقيقة التي تحرك الكاتب والنص معا.

ان الإحساس الجمالي هو ذلك الشعور الذي يختلج صدر الفيلسوف وقد احتدم بحرارة الانفعال عندما يشاهد صور الجمال، سواء مما تزخر به الطبيعة أو في الإنتاج الفني بمختلف الصور والأشكال.

هو تجربة انفعالية في مادة أو حجر أو كلمة أو نغم. ولكن هذه التجربة الانفعالية يجب أن تكون أكثر من مجرد السرور أو الحب أو الحزن، لأنها تتضمن إلى جانب ذلك كله الإحساس الأصيل بالجمال. وذلك كونها تجربة تعبر عن انفعالين متداخلين، حيث يكون الإحساس الجمالي في هذه الحالة متداخلا في مشاعر أخرى من السرور أو الحزن. كما هو الحال في فن الموسيقى فقد يبدو أن معظم الناس لا يملكون القدرة على الفصل بين العناصر الانفعالية الجمالية وما يحدث من خلط بينها وبين الانفعالات الأخرى ولكن الفيلسوف هو الذي يستطيع الفصل بين هذه العناصر. حيث تكون الاستجابة لروائع الجمال على قدر عمق الإحساس ومستوى الذوق لإدراك ما تتضمنه نواحي فكرية ومن قيم إنسانية، إذ على قدر ذيوع هذه الثقافة وانتشارها ومبلغ عمقها في أحاسيس الشعب على قدر تسامي الذوق وارتفاع الوعي الإنساني الرفيع الذي ينمي تربية الوجدان والضمير الحي، والشعور الخلقي والأخلاقي، لذلك كان الفن هو القدرة على توليد الجمال والجميل، وإزكاء المتعة الفنية أو لذة البهجة الروحية.

فهناك مواقف يمر بها المتذوق للجمال فيكتمل لديه الإحساس بروح الموضوع وتذوقه بمنهجية ذوقية صوفية تشل كل انتباهنا بحيث تعزلنا عن العالم المحيط بنا، وتنقلنا إلى حيث اللامحسوس واللامشاهد. هذا من جانب، ومن جانب اخر تتفاوت التصورات الجمالية بين الناس بسبب من ارتباطها بالجانب الوجداني والميول والاتجاهات والأهواء وكذا السياق التاريخي الزماني والمكاني. وعلى هذا فالجمال الظاهري هو كل ما يأتي عن طريق الحواس، أما جمال المعنى فهو ما لا يمكن التعبير عنه مطلقا.

(تجليات الجمال)

إقرأ أيضاً:  بانوراما "العيش" المصري

مساحة إعلانية


وإذا كان الشكل الفني هو المظهر المادي للنص الجمالي، فإنه لا يكتسي قيمته إلا في علاقته العضوية مع المضمون. ويشار بالجمال في الأدب إلى السمات والخصائص التي يحملها النص الأدبي ويتميز بها تعبيره عن غيره من التعابير، بحيث يكون قادرا على إثارة المتلقين وعواطفهم، فيحقق لديهم متعة ولذة. وهذا بدوره يستدعي أن يكون المبدع عالما بقواعد الجمالية المطردة، خاصة الإبداع الفني يسعى دائما إلى التجاوز ورفض النمطية والنصية والقولبة، فالإطار الجمالي الذي ينتج في سياق التطور الثقافي والفني، لا يمكنه أن يستقر على وضع معين، مما يجعل المقاييس الجمالية نفسها غير مطلقة، سواء في جانبها الذاتي، أو الموضوعي. فالجمال في النص هو الخاصية الجوهرية التي يتميز بها كخطاب، مما يجعله مظهرا لاسلوب الكاتب. وفي بداية العصر الإسلامي لم يكن البحث في علم الجمال ملمحا لافتا للنظر على الرغم من التنوع والتعدد في المجالات التي انصرفوا إليها بالتفكير اجتماعيا وسياسيا وثقافيا. فالنظرة الجمالية التي انطلقوا منها في تناولهم للجمال في الحياة والفن، كانت مما يدخل في التفكير الجمالي الأدبي أكثر مما يدخل في علم الجمال والفلسفة، ولاسيما أن تلك المسائل ذات صلة وثيقة بالأدب والشعر والموسيقى. كما ان تلك المسائل غالبا ما كانت تطرح بشكل جزئي بحيث لا يستدعي تنظيرا جماليا حقيقيا يشكل ملمحا من ملامح الفكر الإسلامي. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الفكر الجمالي الإسلامي كان مندرجا في ثنايا المراجع المعنية بالفكر والفلسفة والتصوف والنقد الأدبي، بطرائق لا تلفت إلا نظر الباحث المعني بعلم الجمال.

وبسبب من الأهمية القصوى لمفهوم الجمال فقد صرف الفكر الجمالي القديم انتباهه في الدرجة الأولى إلى تجليات ومعاني هذا المفهوم. وتلك هي الحال في علم الجمال الحديث، في بعض مدارسه، حيث اعتبر الجمال هو المفهوم الأهم، أما المفاهيم الأخرى فليست سوى تنويع على ذلك المفهوم، تختلف عنه في الدرجة لا في النوع.

وتجدر الإشارة إلى ان قلة التمييز بين المصطلحات الجمالية كالحسن والجمال والوسامة هو ما يربك البحث في الجمال ويوقعه في التوهم. والجمال الذي ينشد الأنسان مغروس في نظام الكون، فأنت تجد التنوع والجمال في الزهور والطيور والشجر بكثرة بحيث لا يمكن أن تفسرها الصدفة أو الضرورة.

فالمطلق إذا كان مفهوما فلسفيا فهو في المفهوم الجمالي يعني إيجاد الصيغة المرغوبة، فالجمال القائم في الطبيعة، جمال التفاحة أو جمال البحر، هو جمال معين، بينما الجمال المحض، هو الجمال البعيد المفارق للطبيعة. وفي العصر الحديث تحرر الفنان من الأشكال الطبيعية والعمل على مناهضتها. حيث أصبحت اللوحة تمثل مجموعة من الخطوط والأشكال التي لا مدلول لها ولا ترتبط بالواقع.

واصبح الشكل الفني وسيلة إلى إمتاع المتلقي. هذا بالإضافة إلى أن حسن التعبير له شأن مهم في عالم الفن. ولكن حسن التعبير مسنده الطبيعة والنظام. أي أن الوسائل الفنية ينبغي أن تفصح عن الجمال في الطبيعة، وأن تنتظم وفق نظام معين ينبئ عن ذلك الجمال. أما النظام فهو التئام النسبة والوحدة بتنظيم جميع الأجزاء والتوسع فيها. سعيا إلى إبراز وحدة المثال الذهني. مما يعني أن الوسائل الفنية تقع عليها مهمة تمثيل ذلك المثال.

(تجليات الجمال)

إقرأ أيضاً:  بين نظرية إرادة العيش وخرافة تجاذب الأضداد

مساحة إعلانية


في المقابل هناك من نظر إلى الجمال في بعده السوسيولوجي والأنثروبولوجي، فاعتبر الجميل هو كل ما يستجيب للممارسة الاجتماعية للإنسان، ويستند إلى الصفات الطبيعية للشيء، بحيث طبيعة الوجود الاجتماعي للفرد هي المتحكم الأساسي في إدراكه الجمالي. ولعل هذا الرأي يسير في ركب التصور المادي المـاركسي الذي يعتبر الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي.
وأما الانشغال بالشكل الفني كمجال لتجلي الجمال في الأدب، فلا ترى فيه الماركسية سوى نوع من العجز عن تحمل تعقيدات الحياة، وسعي إلى طمس حقيقة الواقع. وموقف مثل هذا لا يمكن أن يتسم بالبراءة، لأن مهمة التعبير الجمالي تقتضي الإشارة إلى الواقع بإظهار ما يحمله من تناقضات. إن موقف الماركسية من الجمال يرتبط بتصورها الفلسفي العام للفن، والذي تعتبره فيه جزء من البنية الفوقية، ومن ثم فهو يملك صلة بالقاعدة الاقتصادية، ويقترن لذلك بتطورها.

إن مـا يحمله الجمـال مـن مقومـات متعددة يجعل تحديده أمرا نسبـيا، سيما وأنه ذو صلة واضحة بالقيم التي يضمرها، وبالمعـاني التي يحملها. فهي معـان تتسم بالتعدد، يخضع إدراكها لمعطيـات الثقـافة الاجتمـاعية والقيمية للفرد، فضلا عن كون النظر إليه يخضع للأدوار المختلفة التي يتوقع منه تأديتها، وهي أدوار لا يمكن حصرها في اللذة والمتعة، كما دأبت العديد من الاتجاهات المثـالية أن تجعله حبيسا لهمـا، ذلك أنه يقـوم إلـى جـانب وظيفتي اللذة والمتعة وبشكل غير مباشر، بوظيفة تربوية، من خلال ما يقدمه من نموذج يريد بها تهذيب النفوس وتربية الطباع.

وهـذا مـا جعل المقومـات الجمـالية تتسم بطـابع التغير والذاتية. لذلك نجد أن الجمال في استعمـالات الدارسين كثيرا ما التبس بالفن، وقد حـاول بعض الفلاسفة إبراز الفرق بينهمـا، إذ اعتبروا الفن يشير إلـى إنتـاج موضوعـات عن طريق الجهد البشري، ولذلك يسمى المنتوج عملا فنيا. أما الجمال فإنه يشير إلى جاذبية الأشياء وقيمته الفنية والذوقية. هو تلك الدنيا الفريدة والمبتدعة والحية والمحتفظة بحيويتها على الدوام. أو هو تلك الهجمة من الصور التي يشنها الخيال على الواقع. أو هو أن تتناول الواقع بأنامل ورعة، وترفعة إلى مستوى المثال.

الدكتور سامي محمود إبراهيم الجبوري
رئيس قسم الفلسفة/ كلية الآداب/ جامعة الموصل/ العراق

(تجليات الجمال)

إقرأ أيضاً:  السعادة في صلاح البال


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

الجيد والسريع نادرا ما يلتقيان

الأحد نوفمبر 6 , 2022
تمت قراءته: 7٬803 من العادات السيئة لبعض القادة ممارسة الضغوط الكبيرة على مرؤوسيهم من أجل إنجاز المهام بسرعة وبصورة جيدة، وبهذا يرتبط العمل الشاق المضني المتواصل بالانجاز، وتصبح الراحة مرادفة لإضاعة الوقت، ولكن هل فعلا يؤدي الضغط على المرؤوسين والعمل الدؤوب دائما إلى نتائج إيجابية، أم أن له نتائج سلبية […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة