ثلاثيّة المشاعر

الأشياء الّتي لا يستطيع المرء القضاء عليها خصوصا إن كانت في نفسه عليه أن يطوعها ويوجهها، ويتوجّه معها، بوجهها الصحيح وقبلتها الحقيقة، فلا يفرّط بها، ولكي لا تُفرّط هي به. (ثلاثيّة المشاعر)

ثلاثيّة المشاعر
WSU INSIDER

المشاعر: وهي الحبّ والغضب والحزن، وهي أشياء ومواد وجدت مع النّفس البشريّةفترعرعت وشبّت بها وتتطوّرت بتطوّر الإنسان، وتكاد تكون جزءا لا يتجزّأ عن نفسه، ومن المستحيل على الإنسان أن يقضى على إحداها دون حدوث خلل واضطرابات في نفسه أو فكره وسلوكه، وتعقيدات في شخصيته ونظرته للأمور من حوله، ونظراته الذّاتية لنفسه؛ فالشّيء الطبيعي أن تتواجد هذه المشاعر، ولكن كمّا ونوعا محدّدا، فلا تتجاوز الحدّ الطبيعي، ولا تخمد من إحداها، فيأخذ مساحتها شيء آخر، فتنقلب الموازين ويختلّ النّظام(السيكولوجي)، والّذي يمتدّ ليكون مؤثّرا في النظام العضوي والبنيّة الفكريّة، سلبا إن حُرم من حقّه، وأخُمد صوته، وهمّل من شأنه.

مثلا، مشاعر الحبّ من المستحيل أن يُقضى عليها، أو تُستأصل من النّفس، فالإنسان من خلالها يشعر بوجوده وكينوتنه، لأنّ مشاعر الحبّ هي الّتي تأتي بمشاعر الاحترام والمشاعر النبيلة من تعاطف وغيرها، وهي الوسيلة المثلى لتحقيق الاستقرار الّذي يتيح للعقل العمل على أتمّ وجه، ويبعث إلى النّفس والأعضاء رسائل طمأنة وتهدئة.

ومشاعر الحزن ضرورة وثاني أهمّ المشاعر، لأنّها أفضل المشاعر لتهذيب النّفس، والارتقاء بها إلى طبيعتها، فعبرها يهيّج الإحساس بالآخرين، والإحساس بالذّات، وهي الحالة الوسطيّة بين الحبّ والغضب.

ومشاعر الغضب لايمكن القضاء عليها، لأنّ المرء لايقدر أن يواجه الأنماط المختلفة الّتي تواجهه بنفس السجيّة والصّبر، فطاقته في ذاك محدّدة ضمن حدود وأطر معيّنة. ومشاعر الغضب أساس في الحفاظ على الكيان من التغييرات والتّلاعبات الّتي تقضي على الكيان، وتحرفه عن بوصلته، ممّن يمتلكون قدرة على صياغة الألفاظ وتطويعها بسلاسة، ويخلطون الحابل بالنّابل(يدسّون السّمّ في العسل)، ومن من خلالها يشعر الإنسان أنّه موجود، وأنّ هناك ماهو بحاجة للدّفاع عنه والاستناد عليه، ويُعزّز من خلالها الشّعور بالانتماء والوجوديّة.

وتكاد بقيّة المشاعر الأخرى من كره، وألم، وسكون، ومقت، وذنب، وغيرها تندرج في هذه الأصناف الثّلاثة: حبّ وحزن وغضب، فتكون فروع لأصولٍ، وامتدادات لرؤوس.

ومن المستحيل القضاء على أيّ من هذه من دون الدّخول في متاهات، ودهاليز ومضاعفات انسحابيّة خطيرة، تهدّد استقرار الإنسان وسلامته النّفسيّة والعقليّة.

إنّ مشاعر الحبّ والحزن والغضب أولّى القضايا الّتي ترتكز عليها العقائد والشّرائع، بغض النّظر عن بدائيّتها ومدى تطوّرها، فبها تعمل على تكوين صورتها وصورة أتباعها، عبر وسائل أبرزها التّرهيب والترغيب والشّعور بالنّدم والذّنب، ولا يخلو منها معتقد أو يهمّل دورها، فهي وسائل أساسيّة من وسائل بناء الكيان والحفاظ عليه، والرّسو به إلى مرفئ الأمان، وعليها تبنى قواعد الولاء والبراء(العِقدُ) كما في رسالة جان جاك روسو الّتي بنيت عليها أسس الدّيمقراطيّة، أو كما هو معروف في الإسلام بالعقيدة والتّوحيد، والّتي تكون بمثابة الدّستور والقانون والشّريعة، وعليها تُبنى أسس الاستقرار النّفسي؛ الّتي تهيّأ الجوّ للتّحسّن الفكري والارتقاء المعرفي والسّلوكي، وأيّ اضطراب في هذه المشاعر والتّحكّم بها يعدّ خللا فادحا، من شأنه أن ينتهي بالإنسان إلى العدم، وعدم الاستقرار، ويلغي من دور الكيان ويسقطه.

لا يبنى الكيان الشّخصي ولا الكيان المؤسسي إلّا من خلال ايلاء ثلاثيّة المشاعر اهتماما بالغا، فهي مدخل الاستقرار، الّذي يوطّأ ويجعل من الأجواء مواتية للعقل ليعمل بصورته السّليمة، ويوفّر عليه الجهد والمشقّة.

عبد الرّحمٰن محمّد الحدّاد

(ثلاثيّة المشاعر)

إقرأ أيضاً:  الخوف من المصاعد: كيفية محاربته


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

باب الفطنة واليقظة

الأربعاء فبراير 22 , 2023
تمت قراءته: 472 الأموال مثلُ السحاب تأتي وتذهب فلا الحرية تُشترى بهم ولا السعادة تقاس عليهم فلا تندم على ما لم تقدر عليه اليوم ولكن الندم يكون على فوات الطاعة وأنت قادر عليها بتفريطك لها فلا تغرنك الفانية بشراء أوهام لن تتحقق وإن تحققت غيرت لك المفاهيم وتسلطت على قلبك […]
بابُ الفطنة واليقظة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة