دستويفسكي في ثوب عربي

بعد مئتي عامٍ تعود روح دستويفسكي للظهور من جديد، وتُطل على العالم العربي إطلالة جديدة في ثوب عربي قشيب وبلغة عربية عذبة، “أبي فيودور دستويفسكي” الترجمة العربية لحياة الروائي الروسي الشهير فيودور دستويفسكي أحد روَّاد تيار الواقعية الأدبية. (دستويفسكي في ثوب عربي)

دستويفسكي في ثوب عربي
اندبنت عربية

ولد دستويفسكي في موسكو عام 1821م في أسرة متعددة الثقافات والأعراق، وظهر نبوغه الأدبي في مرحلة مبكرة من حياته، والتحق بالعسكرية نزولا على رغبة والده، ليصير من النبلاء. لاقى فيودور دستويفسكي في حياته مشاقَّ بالغة، ومرت حياته بمنعطفات جديرة بأن يُلقى عليها الضوء، كان لها أثر بالغ في حياته الأدبية من بعد.

فعلى المستوى السياسي انضم فيودور دستويفسكي إلى ثوار بتراشيفسكي، وانتهى الأمر بنفيه إلى سيبيريا ثم الحكم عليه بالإعدام، لكنه نجا.

وعلى المستوى الأسري عاش فيودور دستويفسكي حياة مضطربة بعد وفاة والدته، حتى استقر بعد زواجه عام 1866م من آنا جريجوريفنا التي كانت من أكبر العوامل إسهامًا في نجاحه الأدبي. أنجبت له “لوبوفا” مؤلفة الكتاب، وفيودور وآخرين ماتا ضغيرين.
أما على الجانب الأدبي فقد عانى فيودور دستويفسكي من صراعات أدبية مع معاصرين له من كُتَّاب كـ”تورجينيف” وناشرين، على حين كانت له علاقات طيبة وثيقة بكبار أدباء عصره كـ”تولستوي”.

وعلى المستوى الصحي صاحَبَه الصرع طول حياته، وأنهكته الأوجاع حتى أخذت منه مأخذها وتوفي على رأس الستين من عمره عام 1881م في أوج ازدهاره الأدبي.

كل هذه التجارب التي خاضها فيودور دستويفسكي أثمرت إبداعاته الرائعة التي خلَّدت اسمه “الجريمة والعقاب”، و”الشياطين”، و”الأبله”، “الإخوة كارمازوف”، “قلب ضعيف”، و”الفقراء”، والقارئ لهذه الروايات يدرك أن كل رواية منها ما هي إلا ظلٌّ لتجربة شخصية عاشها دستويفسكي بنفسه، أو اقترب ممَّن عايشها.

ويكاد يُجمع النقاد على أنَّ رواياته جاءت معبِّرة عن فهم عميق للنفس البشرية وتحوي تحليلا دقيقًا للحالة السياسية والاجتماعية والدينية في روسيا إبَّان القرن التاسع عشر؛ إذ تعرِض لأهم الموضوعات السياسية والفلسفية وتَسْبر أَغْوار النَّفْسِ البَشَرِيَّة في أطوار عِدَّة.

(دستويفسكي في ثوب عربي)

إقرأ أيضاً:  مقدمة لفهم الإسلام

مساحة إعلانية


كل هذه التفاصيل والمنعطَفات لا يستطيع وصفها إلا من عايشها وعاش مع دستويفسكي فيها؛ لذا لا تزال سيرة حياة فيودور دستويفسكي “أبي فيودور دستويفسكي” بقلم ابنته لوبوفا دستوفيسكايا هي أصدق ما كُتب عن حياة دستويفسكي وأكثره عمقًا وتعبيرًا وقربًا من الحقيقة.

سطَّرت لوبوفا سيرة حياة والدها عام 1921م بالفرنسية ثم نُقلت إلى لغات عدة كالألمانية والهولندية والإنجليزية والسويدية، ونقلها إلى الروسية بوريس تيخوميروف، وها هي تُترجَم إلى العربية بقلم عميد المترجمين الدكتور أنور محمد إبراهيم، المختص في علم اللغة والأدب الروسي والحاصل على وسام الشرف من روسيا عام 2005م.

وممًا ينبغي ذكره أن هذه الترجمة إلى العربية تعدُّ تحوُّلا فارقًا في مسار الأدب العالمي المترجَم، فلطالما كانت الترجمة جسرًا يربط بين الشعوب والثقافات، هذا إلى جانب ما تنقله من أساليب لغوية جديدة ومعارف وعلوم مختلفة، ولا يخفى ما في ترجمة حياة دستويفسكي من أهمية فكرية وأدبية واجتماعية وسياسية للأدب العربي، فمعرفة الظروف التي أحاطت بدستويفسكي كمفكر وكاتب وروائي تعد مرشدًا ودليلا في المسار الإبداعي.

ولا ريب أن لنقل هذه الصورة إلى عالمنا العربي تأثيرًا بالغًا على الأدب العربي ومحفِّزًا لرواد تيار الواقعية الأدبية ونهوضًا من الكبوة التي يحياها أدبنا العربي المعاصر، وعودة إلى الفكرة الواقعية والأسلوب القوي والكلمة المعبِّرة.

هذا إلى جانب ما قرَّرته ابنته في مقدمة الكتاب من أن هذه التفاصيل التي لم تُنشر من قبل عن حياة دستويفسكي يمكن أن تعطي لعشاق دستويفسكي مادةً لكتابة دراسات تحليلية جديدة عن إبداعه ويمكن أن تجعل هذا الإبداع أكثر فهمًا للقرّاء.
وهذا مدخل لإجراء مزيدٍ من التحليلات الأدبية والدراسات النقدية للأدب الروسي بعامة وأدب دستويفسكي بخاصة. وعقد مقارنات بين الأدبين العربي والروسي، كما أنها تُخرجنا من النظر القاصر لشخص دستويفسكي على أنه روائي فقط، وتلفت الأنظار إلى جوانب أخرى في فكر دستويفسكي كفيلسوف ومفكر وليس روائيًّا فحسب.

أهداف أخرى نقف عليها من خلال هذه الترجمة وهي أن الوقوف على سِيَر السابقين وخبراتهم هي أعمار تُضاف إلى أعمارنا، فبترجمة هذا الكتاب إلى العربية لا نقف على تاريخ دستويفسكي فحسب بل نضع أيدينا على تاريخ ستين عامًا من حياة روسيا الثقافية والسياسية والاجتماعية والأدبية، واستلهام روح دستويفسكي لإعادة بناء أجيال قادرة على التأثير في الحضارات والشعوب.

رحلة دستويفسكي عبرَ الأيام رَصَدَتْها ثلاثمائة وثمان وخمسون صفحة هي عدد صفحات “أبي فيودور دستويفسكي” المترجم إلى العربية عن ثلاثين فصلا عرضت لأصل عائلة دستويفسكي وطفولته وشبابه واعتقاله ومغامراته العاطفية وزواجه وكبواته المالية، والصراعات العائلية المحيطة به، وحياته في أوربا ثم العودة إلى روسيا، وكيف كان في بيته، ومع أبنائه وعلاقته بتروجينيف وتولستوي والكونتيسة تولستايا، ونزعته السلافية، وقصة آخر عام في حياته.

ألقت فيها لوبوفا الضوء على أدق تفاصيل حياة دستويفسكي وعلاقته بتولستوي والخطابات المتبادلة بينهما والوسيط الفيلسوف نيكولاي. ولم تغفل الحديث عن الآثار الأدبية والسياسية التي تركها دستويفسكي عليها وعلى أخيها وكيف أنها عانت هي وأخوها من خفوت موهبتهما الأدبية في جانب موهبة الأب وإبداعه. ووصفت وصفًا دقيقًا الأيام الأخيرة في حياة دستويفسكي، وكيف تعاملت الكنيسة مع الوفاة وطريقة الدفن، وقرارات الحكومة الروسية بإدخال أولاده مدارس النبلاء وتوفير النفقات لهم.

وقد صُدِّرت الترجمة العربية بمقدمة لبوريس تيخوميروف الذي نقل الكتاب من الفرنسية إلى الروسية، عرَّف خلالها تيخوميروف بالكاتبة ابنة دستويفسكي، وقدَّم تحليلا أدبيًّا موجَزًا لكتابها حول أبيها. تليها مقدمة الكاتبة تعرض فيها أسباب تأليف الكتاب وقصة نشره.

هذا، ولم تأتِ الترجمة للكلمات فحسب، بل جاءت معبِّرة عمَّا وراءها من أفكار لوبوفا وعواطفها، فقد عايش فيها المترجم الدكتور أنور إبراهيم أفكار الكاتبة “لوبوفا” وحالتها النفسية وظروفها الحياتية عند كتابتها سيرة أبيها- التي تضمنت سيرتها هي أيضًا-؛ بصورة تنمُّ عن معرفة المترجم معرفة تامَّة بكليهما “دستويفسكي” صاحب السيرة، والكاتبة لوبوفا ابنة دستويفسكي، وليس ذا بعجيب فالمترجم خبير بحياة دستويفسكي عايش أدق تفاصيلها، وألَّف من قبل “نساء في حياة دستويفسكي” كما تدلُّ على إتقانٍ تامٍّ للعربية والروسية وأساليبهما اللغوية والفنية، وقد أوجد جوًّا أدبيًّا مماثلا لجوِّ العمل، فنقل لنا روح دستويفسكي بما لا يشعر القارئ معه بأنها عملية نقل من لغة إلى لغة. فجاءت ترجمته كأنها إعادة خلق للنص من جديد.

د.مفيدة صالح

(دستويفسكي في ثوب عربي)

إقرأ أيضاً:  ماذا يقرأ زعماء العالم؟


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

فن الكتابة: بين التعلم الأعرج و التعلم الصحيح

الأثنين يناير 16 , 2023
تمت قراءته: 1٬107 مقولة تنسب لأبي فرج الأصفهاني نصها: ” إني رأيت أن لا يكتب أحد كتابًا في يومه إلا قال في غده، لو غيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحسن ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على […]
فن الكتابة بين التعلم الأعرج و التعلم الصحيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة