قدوم الطوفان

يعرف الطوفان لغويا في المعاجم العربية بأنه فيضان عظيم، سيل مغرق، ماء غالب يغشى كل شيء، وهو أيضا ما كان كثيرا أَو عظيما من الأَشياء أَو الحوادث بحيث يطغى على غيره مثل الطاعون أو البلاء، وهو أمر إلهي بالعقاب ينزله الله تعالى على بعض الأقوام الذين نشروا في الأرض الفساد، وبلغ الظلم منتهاه وبعد أن استشرى الوباء ونخر السوس في أجساد الأمة، الكذب مهما طال أمده لا بد وأن يأتي له يوم سواء كان قريبا أو بعيدا وتتكشف الحقيقة كاملة ويزأر الصدق مع ناطقوه أمام الجميع. (قدوم الطوفان)

قدوم الطوفان
روسيا اليوم

الحمد لله الذي أنار بصيرة المؤمنين من البداية وجعلهم يفطنون لما يخطط لهذه البلاد، كما أن هناك أناس أيضا صححوا مسارهم في وسط الطريق وراجعوا أفكارهم وعادوا إلى رشدهم، أما الفئة الباقية ما زالت مستمرة في التأييد الأعمى وكأن على رؤوسهم الطير لا يدرون ولا يشعرون بما آلت إليه أحوال البلاد والعباد، بيد أن المنافقين لا ينضبون عبر العصور بل يزيدون مع كل عصر، فهم بمثابة القرود الذين يرقصون على حبال السيرك ويؤدون ما يطلب منهم وينفذوه بكل حذافيره لتحقيق بعضا من المكاسب الدنيا ولكنهم غفلوا وتناسوا بأن هناك يوما للأخرة حيث يقوم الناس ليوم الحساب، كرم الله تعالى الإنسان بالعقل، ولكن هناك من يقوم بوضع الأقفال علي أبوابه، وذلك لغلق أي رأي أو برهان ممكن أن يصل إليه، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، ولكن ماذا ينتظر الجميع عند قدوم الطوفان!

الطوفان العظيم زمن نوح عليه السلام – قدوم الطوفان

عبر سائر العصور كان السؤالان اللذان يتبادران إلى الذهن هما هل غرق جميع من في الأرض عدا من كان مع نوح على ظهر السفينة عندما أرسل الله الطوفان؟ وهل كل من على الأرض الآن يعتبرون من نسل من كان في السفينة؟ جاءت الإجابة عن السؤال الأول صريحة في القرآن الكريم وهي أن جميع من على الأرض قد أغرقوا بالطوفان، ولم ينج من البشر ولا من الحيوان إلا من حمله نوح عليه السلام معه في السفينة، قال الله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) سورة الشعراء الآية 119-120، وقال عز وجل: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) سورة هود الآية 40.

وقال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) سورة يونس الآية 73، وجاءت الإجابة على السؤال الثاني أيضا في النص القرآني على أن الأرض إنما عمرت بعد ذلك من نسل ذرية سيدنا نوح عليه السلام فقط، أما المؤمنون الذين نجوا معه في السفينة فلم تبق لهم أي ذرية، فجميع أهل الأرض الآن من ذرية نوح عليه السلام قال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) سورة الصافات الآيات من 77-81، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام، وقال قتادة في قوله (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) قال الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله أن العلماء قد اختلفوا في عدة من كان معه في السفينة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم.

وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا وقيل كانوا عشرة، أيضا قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا، وهو الذي عند أهل الكتاب وقيل ثمانين ذراعا، وعم جميع الأرض طولها والعرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ولا صغير ولا كبير، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم سام وحام ويافث.

إقرأ أيضاً:  البحث عن الحقيقة

مساحة إعلانية


الطوفان في عهد موسى عليه السلام

لعلنا نسترجع قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون لما فيها من العبر والآيات الكثيرة، فلقد طغى فرعون في البلاد حيث قال لقومه أنا ربكم الأعلى وقتل أبناء وبنات بنو إسرائيل واستحى نسائهم وظلم ظلما فجارا، فأرسل الله تعالى رسوله الكريم موسى وجعله يذهب إلى فرعون لكي يهتدي ولكنه أبى وكفر وجمع سحرته أمام عموم القوم لعلهم يكونوا هم الغالبون على موسى وأخيه هارون، فأتى السحرة كما قال رب العزة بسحر عظيم وأرهبوا الناس، فما كان من الله تعالى إلا أن أمر سيدنا موسى أن يخرج عصاه فإذا هي تلقف ما يصنعون، وسجد السحرة أجمعين صاغرين وقالوا آمنا برب موسى وهارون، لقد خلق الله تعالى الفيروسات والميكروبات والبكتيريا وكافة أنواع الجراثيم قبل خلق الإنسان لتكون جاهزة لتأديبه وتهذيبه إذا نسي الإنسان نفسه وتوهم أنه لا يعلو عليه أحد بينما الأحد هو الله سبحانه وتعالى الذي يعلو فوق جميع أكوانه التي خلقها لأنه عز وجل هو الواحد القيوم على جميع الخلائق.

أشار القرآن الكريم إلى بعض الآيات التى أرسلها الله إلى قوم فرعون فى عصر سيدنا موسى عليه السلام وذلك في الآية 133 من سورة الأعراف «فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين» سنجد مجموعة من آيات العذاب أصاب بها قوم فرعون وهذا الآيات إذا أحل الله المنتقم بها على قوم فإنه سيكون الهلاك الأكيد والعذاب البطيء، وكانت الآية الأولى فى العذاب هي آية الطوفان وداخل هذا الطوفان يختبئ ميكروبات التيفود والكوليرا والطاعون هذا بالاضافة إلى أن كثرة الأمطار تتلف الزروع والثمار وتقتل الحيوان فيجد قوم فرعون أنفسهم جياعًا وهذه كانت العقوبة الأولى.

ثم جاءت الآية الثانية وهى آية الجراد الذى أتم الانهاء على باقى المحصولات الزراعية فتصحرت الحدائق بل وتصحرت الصحراء، ثم جاءت الآية الثالثة وهى آية القمل وهو السوس الذى يخرج من الحنطة فيفسدها ويأتى عليها بالكامل، ثم جاءت الآية الرابعة وهى آية الضفادع وهو نوع آخر من العذاب فإذا فتح الانسان فمه ليتكلم أو يأكل فإن هذه الضفادع تثب إلى فمه لتملأه بالضفادع هذا بالاضافة إلى نقيق الضفادع الذى يحقق التلوث السمعى فى عصرنا الحالى بما يصيب هذا النقيق الانسان بالجنون وجاءت آخر آيات العذاب المطلق وهى آية الدم فقد تحول الماء الذى يحيط بهم ليشربوا منه إلى نهر من الدم فكيف يعيش الانسان إذا تحول الماء إلى دم.

حادثة غرق فرعون – قدوم الطوفان

وقعت هذه الحادثة في اليوم العاشر من محرم قبل آلاف السنين لموسى عليه السلام مع فرعون والذي يسمى بيوم عاشوراء، في هذا اليوم بعد المفاوضات والحوار والأخذ والرد والآيات التي جاء بها موسى وبعد أن ألقى عصاه، ونزع يده فإذا هي بيضاء، ومع كل هذه الآيات نرى جبروت فرعون الذي قابل به موسى، حتى وصلنا إلى العاشر من محرم قبل آلاف السنوات فإذا بموسى عليه السلام في هذه اللحظة الأخيرة يقف هاربًا مع قومه إلى أن وصلوا الى البحر، وإذا بفرعون وجنوده بعدهم وعتادهم، هذه الحضارة الفرعونية التي كان يجابهها موسى عليه السلام وبنو إسرائيل وهم أناس عزل ليس معهم أي شيء ولم يكونوا سوى خدم عند هؤلاء الجبابرة، فكل الموازين الأرضية كانت تقول إن موسى عليه السلام لابد أن ينهزم لأنه فر هاربًا إلى لا شيء، هاربا في الصحراء ومن الذي لحق به؟ لحق به فرعون وجنوده بعرباتهم وأسلحتهم.

يأتون إلى موسى عليه السلام الذي يقف مع بني إسرائيل عند شط البحر ينتظرون اللحظة التي ينقض فيها فرعون عليهم، وفي هذه اللحظة زلزل بنو إسرائيل وشكُوا للحظة أن الدين انتهى وأنهم لا يمكن أن تقوم لهم قائمة، فكل المعطيات الأرضية كانت تقول إنهم لا يستطيعون الخوض والسباحة في البحر ولو خاضوا فيه لغرقوا، فلما تراءى الطرفان، طرف فرعون من جهة وطرف موسى وبني إسرائيل من جهة، ظن أصحاب موسى أنها نهايتهم، ولا مفر لهم الآن، ولكن موسى عليه السلام موقن بمعية الله لأنه يعرف ربه، وهذا الفرق دائما بين من يعرف ربه ويعرف سننه في الكون وبين من لا يعرف ربه، فإذ بموسى عليه السلام يقول بنبرة الواثق أن الله معه وسيهديه ولن يتركهم، فهم قد سلكوا هذا الطريق بوحي من الله عز وجل وهو الذي أمره بأن يسري ببني إسرائيل، فمستحيل أن يتخلى الله عنهم ويتركهم.

قال تعالى: (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) سورة الشعراء الآية٦٢، ومباشرة أوحى الله عز وجل لموسى عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطرد العظيم، معجزة لم تخطر على قلب موسى عليه السلام ولم تحدث من قبل فكيف ينفلق البحر ويقف هذا السائل كأنه جبلين، كأنها شلالات والأرض ممهدة بينهما لا يخاف المرء فيها دركًا، أي لا يخاف أن يغرق، ولا يخاف أن تكون طينية فينزلق فيها، وفعلا خاض فيها موسى عليه السلام وبنو إسرائيل ونجاهم الله عز وجل وخاض فيها فرعون ظنا بكبريائه وجبروته أن الأرض ستبقى ممهدة له، فإذا الله عز وجل يأمر البحر أن ينفلق على فرعون وجنوده فلم يبق منهم أحد، فهذا الماء الذي تشدق به فرعون وقال هذه الأنهار تجري من تحتي، أجراها الله عز وجل من فوقه وكانت سببا في موته، ونجى الله عز وجل موسى عليه السلام ومن معه في هذه الحادثة، فحينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه رواه البخاري وفي العام الذي يليه، قال عليه الصلاة والسلام صوموا يوما قبله ويوما بعده، فأصبحت السنة هي أن نصوم يوم عاشوراء ونصوم يوما قبله أو يومًا بعده ويجوز صيامه منفردا.

إقرأ أيضاً:  فصحاء اللسان

مساحة إعلانية


سنن الوقاية من الطوفان

الحكم بين العباد بالحكمة والعدل – قدوم الطوفان

قال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) سورة القلم، إن الله سبحانه وتعالى يحكم بين خلقه بالحكمة والعدل ولا يساوي بين القوم الكافرين الذين أجرموا وأشركوا وبين القوم المؤمنون الذين عملوا الصالحات ونهوا عن المنكر، فلا يمكن أن يجعلهم الله عز وجل سواسية.

لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

هذه قاعدة ربانية وسنة كونية وذلك أن الله عز وجل لا يمكن أن يغير ما بأي مجتمع ولا بيئة ولا محيط من محيطات الدنيا حتى يتغير هؤلاء الناس من داخلهم وتكون هذه الخطوة الأولى من قبل أنفسهم.

يري الله تعالى الناس جزاء أعمالهم – قدوم الطوفان

قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) سورةالروم الآية٤١، قد يكتب الله عز وجل الفساد في الأرض ومن ثم يراه الناس عيانا بيانًا كغلاء الأسعار وزوال المحاصيل وانتشار الأوبئة، فيريهم الله عز وجل هذا الفساد في الأرض ليذيقهم بعضا من الذي عملته أيديهم وما كسبته وهذا من سنن الله عز وجل أن يري الناس الجزاء بما اقترفوا من آثام.

إذا أراد الله لإنسان خيرا فلا راد له

قال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) سورة يونس الآية 107، هذه القاعدة الإلهية تنير أبصارنا وترشدنا إلى الطريق الأوحد إذا مس الفرد منا الضر ولا نلتفت يمينا أو يسارا، بل مناجاة خالق الكون وسيده لأن الله تعالى هو من بيده الخير كله فلا راد لأمره دون النظر لعنصر بشري لا يمكن بحال من الأحوال أن يرفع الضر عنا سوى الله عز وجل.

أن الكفر بأنعم الله يؤدي إلى الجوع والخوف – قدوم الطوفان

قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) سورة النحل الآية١١٢، اختصرت هذه الآية كثيرا من الكتب سواء علم الاجتماع والتاريخ أو غيرها عن هذه القرية والتي كان أهلها يعيشون في رغد من العيش، ويأتي الناس إليها من أرجاء المعمورة ليعملوا فيها ويجدوا البركة في أموالهم، فيشترون بالمال القليل الشيء الكثير ويستطيعون أيضا الادخار، فكانت قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فبدأ التغيير وكفرت بأنعم الله عز وجل بعد أن أعطاهم تلك النعم يتمتعون بها ليل نهار، فلما كفروا بهذه النعمة ومنعوا حق الفقير والمسكين، أذاقهم الله عز وجل لباس الجوع والخوف، فضاقت عليهم أرزاقهم ومن ثم فقدوا الأمان.

يداول الله الأيام بين الناس

قال تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) سورة آل عمران الآية140
من المسلمات أن الحياة لم تكن يوما على خط واحد من السعادة والهناء لأي أحد، لا لأنبيائه ولا لرسله ولا لعباده المؤمنين، فلا بد للمنحيات أن تحدث ليختبرنا الله بالسراء هل نشكر النعمة أم نكفر بها، وهل نؤدي حقوق الله تعالى فيها أم لا، ويختبرنا عز وحل بالضراء هل نسخط أم نصبر ونرضى بناةقسمه الله لنا، وهل نقوم بحق الله تعالى من الرضا بالقضاء والقدر خيره أو شره لذلك يقلب الله عباده بين الحالتين.

لا يمكن أن يفلت الإنسان بظلمه – قدوم الطوفان

يقول الله تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ) سورة العنكبوت الآية 40، لا يمكن أن يُفلِت الإنسان بظلمه وجبروته وطغيانه في الدنيا، فقد قال العلماء إن هناك ذنبين معجلة عقوبتهما في الدنيا هما البغي والعقوق فالعاق لوالديه معجلة له عقوبته في الدنيا، وكذلك البغي وهو الظلم والطغيان على حقوق الناس وحياتهم، فهذان الذنبان عقوبتهما معجلة في الدنيا قبل الآخرة، ويكون فيها شفاء لصدور المؤمنين عما أصابهم من الكرب والظلم الأليم.

إقرأ أيضاً:  السعادة في صلاح البال

مساحة إعلانية


التمكين للمؤمنين

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚيَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) سورة النور الآية ٥٥، ومن سنن الله عز وجل في هذا الكون أيضا أن الله في آخر الأمر يمكن لعباده المؤمنين وعد الله، لاحظوا هذه الكلمة وعد الله حق لا يكذب، فيصدق الله وعده لعباده الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فإذا حققوا هذه الصفات حقق الله لهم الوعد، فصلاح الإنسان لا يدور عليه وحده فقط، فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فنحن ننتقل لدائرة المصلحين الذين يستحقون الاستخلاف في الأرض والتمكين لهم.

الإصلاح يدفع العقوبات العامة – قدوم الطوفان

قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) سورة هود الآية ١١٧، من السنن التي بدأت بها قصة موسى عليه السلام، ونلاحظ هنا اللفظ مصلحون وليس صالحون، لأن صلاح الإنسان الشخصي لا تندفع به العقوبات العامة، العذاب الذي يعم القرى والأراضي عذاب عام، وما يدفع هذا العذاب هو الإصلاح، أن نكون مصلحين وهذه كانت سنة الله في كل أنبيائه.

إذا صلح الدين صلحت الدنيا

قد يظن الإنسان أن كل ما جاء به الأنبياء هو لصلاح الدين وصلاح العقيدة فقط، بل أتى الأنبياء لصلاح الدين والدنيا معا، وهذا ما ورد في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا معاشِي، وَأَصْلِحْ لي آخِرَتي الَّتي فِيهَا معادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لي مِن كُلِّ شَرٍّ، وجاء شعيب عليه السلام بإصلاح اقتصادي قال تعالى: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) سورة هود الآية ٨٥، فكان يتكلم عن المعاملات الاقتصادية في البيع والربا وبخس الناس أشيائهم فيها، فكان يقول لهم لا تقوموا بهذا الذنب، وكذلك لوط عليه السلام جاء لينهى قومه عن ذنب وكبيرة من الكبائر الاجتماعية، وهي قضية الشذوذ.

فكل الأنبياء كانوا يأتون لإصلاح الدين والدنيا، فعندما صلح الدين في أفضل العصور من قبلنا وذلك من عهد عمر بن الخطاب وعهد النبي عليه الصلاة والسلام وحينما سادت الفتوحات في عهد عمر إلى القرن الثالث، سطرنا فيها أعظم حضارة عرفها العالم إلى يومنا هذا، في لندن يوجد معرض سنوي عن حضارة المسلمين واكتشافات المسلمين ومئة عالم ومؤلفات تدون اكتشافاتهم، فلما صلح الدين صلحت الدنيا ولكن العكس غير صحيح، قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة النور الآية ٢.

فالحدود يجب أن تكون أمام المؤمنين لا في الخفاء ومنها على سبيل المثال حد الزنا، ، فالحدود هي صلاح الدين وإصلاح الدين أيضا يكون في تنمية الرقابة الذاتية في الأجيال، فإذا صلح الدين صلحت الدنيا، فالقضية كما قالها عمر رضي الله عنه نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله عز وجل.

مع تحيات
الكاتب سامي الشيخ عامر

(قدوم الطوفان)

إقرأ أيضاً:  مبادئ الفلسفة الائتمانية (فلسفة طه عبد الرحمن)


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

إبن عروس الزيبان يفتك جائزة الإبداع

الثلاثاء مارس 7 , 2023
تمت قراءته: 522 قِيل عن الإبداع انتسابه إلى شجرة الفن، بذوره الموهبة، مائه الإجتهاد وأملاحه الصعوبات، أما ثماره فورودٌ تلك التي تنثر شذاها أينما حلّت ليكون نموذج الإبداع الشبابي لسنة 2022 بختم من مديرية الشباب والرياضة لمدينة الورود “البليدة” لمن جاءها حاملا عرجونه من مدينة الزيبان “ولاية بسكرة”(جنوب الجزائر): إيهاب […]
إبن عروس الزيبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة