وليتك تسلم

من الحكايات الطريفة وذات العبرة التي يرويها العرب أن جحا ذات يوم اشترى حمارًا وسار هو وابنه، فمرا على قرية فاستنكر أهلها مما رأوه من تعب الحمار، فقرر جحا أن يركب هو ويشد ابنه خطام الحمار ويجره، فلما مرا بقرية أخرى، قالوا: يال هذا الرجل اللئيم يركب ويترك ابنه ماشيًا، فقرر جحا أن ينزل هو ويجر الحمار بينما يركب ابنه، ولما مرا بقرية أخرى، قالوا: يال هذا الولد العاق بأبيه يركب هو ويترك أباه يسير على قدميه على كبره ووهن عظمه، فقرر جحا أن يبيع الحمار ويتخلص منه ويكمل هو وابنه السير على الأقدام. وليتك تسلم

وليتك تسلم
الوطن

وعلى طرافة القصة إلا أنها معبرة ،فالناس هم الناس لايكادون يتركون أحدًا بحاله دون أن يتكلموا عنه واللبيب وحده من لا يأبه بكلام الناس، فرضا الناس غاية لا تدرك، وقد قال أحدهم، إرضاء الناس غاية لا تدرك وإرضاء الله غاية لا تترك، فأدرك ما لايترك، واترك ما لايدرك، فهم ما يلبثون يتكلمون عن هذا ويقدحوا في ذلك، ولم يسلم لا صالح ولا مفسد من كلام الناس.

ويروى أبو جعفر الهروي أنه كان مع حاتم الأصم وقد أراد الحج، فلما وصل إلى بغداد قال له حاتم (يا أبا جعفر أحب أن ألقي أحمد بن حنبل)، فسألنا عن منزله ومضينا إليه، فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت (يا أبا عبد الله، أخوك حاتم)، فسلم عليه ورحب به وقال له بعد بشاشته به (أخبرني يا حاتم فيم التخلص من الناس)؟!

قال يا أحمد في ثلاث خصال.

قال وما هي؟

قال أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئًا، وتقضي حقوقهم ولا تستقضي أحدًا منهم حقًا لك، وتحتمل مكروههم ولا تكره أحدًا على شىء.

فأطرق أحمد ينكت بأصبعه على الأرض ثم رفع رأسه ثم قال (يا حاتم إنها لشديدة).

فقال له حاتم (وليتك تسلم وليتك تسلم وليتك تسلم).

فلو قدمت كل التنازلات أن يتركك الناس وشأنك فما هم بفاعلين، وقد سأل موسى كليم الله، ربه أن يكف عنه حديث الناس، فقال له تعالى: ذاك أمر لم أكتبه لنفسي، فالله سبحانه لم يكتب كف ألسن الناس عنه، فكيف يسلم منها العباد.

‏والسبيل هو أن تعرض عن قول الناس، فإذا رأوك تصلي قالوا هو يراء، وإذا أعرضت قالوا منافق، إذا تصدقت قالوا سيفقر نفسه، وإذا أمسكت قالوا بخيل، إذا ترفعت عن كلامه قالوا متكبر، وإذا صمت قالوا به لوثة، إذا تحدثت قالوا ثرثار، فالناس هم الناس لايتغيرون في كل زمان.

ولو سلم أحد من كلام الناس لكان المصطفى الهادي أولى الناس بذلك لكن ذلك لم يحدث، فقبل البعثة كان الصادق الأمين وبعدها الساحر والكاهن والمجنون، وما أراد إلا إصلاحهم وإرشادهم، فهم لايهتمون لا بنصح ولا إرشاد وصلاح ولا فساد، فلتسلم من كلام الناس، تأسى به، واهجرهم هجرًا جميلًا ، وكن كما قال تعالى (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران 134]. فلو حدث وسمعت أن الناس تكلموا عنك، قل الحمد الله لم يسلم منها أصفياء الله واتقيائه أفتراني أسلم منها أنا.

‏وكن أنت على ما تكره متقيدًا واكفف لسانك وتذكر حديث النبي لمعاذ “ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حصائد إلسنتهم” [1]الراوي : معاذ بن جبل | المحدث : ابن القيم | المصدر : أعلام الموقعين. الدرر السنية فكن حريصًا على ألا تتكلم إلا بخير واعلم أنك إن تحدثت اليوم عن الناس فغدًا سيكون الحديث عنك، واعلم أن كل ما تخطه بيمينك مأخوذ به، فلا تحسبن الله غافلًا عما تفعل، وهو معك أين ما كنت.

الضيف بلول

 

إقرأ أيضاً:  واهجرهم هجرًا جميلًا


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


الملاحظات أو المصادر

الملاحظات أو المصادر
1 الراوي : معاذ بن جبل | المحدث : ابن القيم | المصدر : أعلام الموقعين. الدرر السنية
⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

الأدب العربي بين المحلية، والعالمية، و"العولمة"

السبت يوليو 24 , 2021
تمت قراءته: 1٬715 في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يحتفل العالم بـ”اليوم الدولي للغة العربية”. وليس من شك في أن كل من له صلة، من قريب أو بعيد، نطقًا وكتابة بلغة الضاد وما يصدر عنها من إنتاج أدبي وفكري وثقافي يسعد عندما يتبوأ هذا الإنتاج مكانة ومكانته اللائقة. […]
الأدب العربي بين المحلية، والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة