“الطب الأصيل”: الغرب يعود للشرق

لعل وصف “الطب الشرقي” بالطب الأصيل أدق من وصفه بـ”الطب التقليدي أو البديل”. فكيف يكون “بديلاً” وهو الأسبق عمراً وأصالة، والأكثر شيوعًا وانتشاراً؟ كما إن جذور الطب الحديث تعود إلى أنواع الطب الأخرى، ويعتمد حالياً في الكثير من ممارساته على تطبيقات تلك الأنواع الطبية. و”الطب الأصيل” مجموعة طرق علاجية تعتمد النظرة الشمولية للإنسان كوحدة متكاملة. وتتفهم تأثره وتأثيره بكل ما يحيط به، وبخاصة تفاعله مع “نمط الحياة، والحالة النفسية”. وهو ما قد يغيب عن رؤية ومقاربة “الطب الغربي الحديث”. فالصحة الدوائية “الغربية” تقتحم عمل ووظائف كل عضو من أجهزة الجسم على حده. تجزئة قد تضر بباقي الأعضاء والأجهزة.

الطب الشرقي
Tehran Times

ومن المعلوم – بحثياً وعلمياً – أن فصل عضو واحد وإجراء تجارب عليه، والتدخل في شؤونه، يختلف جزئياً وكلياً عما إذا كان هذا العضو وسط سائر أعضاء الجسم.. مؤثراً ومتأثراً بهم. فمنذ عشرينيات القرن الفائت، ومع مباحث المدرسة الجديدة في العلم، وفلسفته، وبخاصة في علوم الدماغ والأعصاب والوراثة وعلم النفس تأكد أن: “أن الكون – كما الإنسان – هو وحدة كلية واحدة، والمادة ليست أزلية. وليس كل ما لا يمكن قياسه، أو اختباره معملياً، وفحصه مادياً هو غير موجود. بل لعل أجهزتنا ومعاملنا وفحوصاتنا غير قادرة على الإحاطة به، فلا يمكن بحال إغفال أثره وتأثيره”.

وكانت مجلة “وتش؟” ?which البريطانية الصادرة عن اتحاد المستهلكين قد نشرت (عدد أكتوبر 1986) إحصائية بعنوان “سحر أم طب؟”. وجاء فيها أنه: يوجد بريطاني من كل سبعة مرضى راجع عيادات “الطب البديل” عام 1985. وكانت أسباب مراجعة 71% منهم لمشاكل المفاصل والآلام بصفة عامة. وقد راجع 42% منهم الأوستيوباثي، 26% الهوميوباثي، 23 % أخصائيي الإبر الصينية، 22% الكايروبراكتك، 11% أخصائيي العلاج بالأعشاب. ولا يستعمل الدواء الذي يصرفه الطبيب العام إلا 60%، ويذهب باقي الدواء إلى سلة المهملات. وكثيرة المضادات الحيوية الموصوفة، وحبوب مهدئة ومخففة للالتهاب والآلام للمنتظرين جراحة تبديل مفصل (معدل الانتظار أربع سنوات). وأقر 81% من المستجوبين أنهم جربوا حظهم مع الطب المتداول فلم يستفيدوا من العلاج الموصوف، أو استفادوا مؤقتاً أو أن الطبيب لم يستطع عمل شيء. وكان قد شفي 31% شفاءً كاملاً عندما راجع عيادات “الطب البديل”، وتحسنت حالة 51% منهم.

بعض أساليب “الطب الأصيل”

“الطب الأصيل” جزء من نظام صحي طبي متكامل مستعار من ثقافات وحضارات عدة، مثل الطب الصيني التقليدي Traditional Chinese Medicine والطب التبتي لسكان هضبة التبت Tibetan Medicine أو الطب الآيروفدي Ayurvedic Medicine المستعار من الهند. وتوجد عدة “علاجات، وفلسفات صحية” مُندرجة تحت عنوان “الطب الأصيل/ البديل”، منها خمسة أنواع رئيسة: Acupuncture, Osteopathy, Chiropractic, Herbal, Homeopathy. كما توجد أنواع أخرى منها العلاج الطبيعي Naturopathy والطب الغذائي Medicine Nutrition، والعلاج بالروائح Aromatherapy، والتدليك أو المساج Message ، والعلاج بالبلورات Crystal healing، وطب الطاقة Medicine Energy

ويعتبر “التدليك” أو المساج Message ، وطرق تخفيف الآلام “الشرقية” من الوسائل التي رفضت قبل مدة على أساس أنها من “الخرافات والأوهام”. ففي طريقة “الكايروبراكتيك” Chiropractic يتم تصحيح العمود الفقري لمعالجة هذه الألام وغيرها بواسطة الأصابع بدلاُ من الإبر (الضغط الإبري). وفي العلاج بـ”الوخز الإبري” Acupuncture يتم غرز إبر رفيعة في مناطق معينة في الجسم (خرائط للجسم) لإعادة توازن الطاقة وفتح مساراتها المغلقة. وانتشر استعمال العلاج بالإبر الصينية في معظم أنحاء العالم. وصاحب ذلك استعمال الأعشاب الطبية Herbal التي يعتمد عليها الأطباء الصينيون مع الإبر. وقد تؤخذ بأشكال مختلفة كمنقوع أو مغلي أو بخار أو حبوب أو سفوف أو مراهم أو دهان الخ. ولقد حاول “الاستعمار الأوروبي” لمناطق جنوب شرق آسيا منع هذه الطريقة على أساس “لا علميتها”، فانحصرت ممارستها في نطاق محدود ثم أخذت بالانتعاش بعد انتصار الصينيين بقيادة “ماو تسي تونغ” في نهاية أربعينيات القرن الماضي.

الطب الشرقي - الابر الصينية
Taking Charge of Your Health & Wellbeing – University of Minnesota

أما الهوميوباثي homeopathy مشتقة من اليونانية وتعني: علاج المثل بالمثل (العلاج التجانسي). والمعالجة بالهوميوباثي أو التداوي بذات الداء هي بإعطاء المريض الذي تبدو عليه أعراض مرض ما، جرعات قليلة ومخففة من مواد تُؤدي، حال تناولها من قبل إنسان سليم، إلى ظهور أعراض مشابهة لتلك التي يشكو منها المريض. وكان الطبيب الألماني “كريستيان صموئيل هانمان” (1755 – 1843) قد أصّل نظام الهوميوباثي. ويعتمد هذا العلاج علي إذابة مستخلصات نباتية أو معدنية أو حيوانية في الماء النقي. ثم تخفيف المحلول مئات المرات حتى يغدو حاملا لجزيئة واحدة تقريباً من المادة المذابة. وهو لا يلغي فاعليته، بل يساعد على حماية المريض من المضاعفات الجانبية. فيعمل كعمل اللقاح لتحفيز جهاز المناعة على مقاومة المرض. ووفق دراسة بالمجلة الطبية البريطانية (عام 1994)، فإن نسبة الإقبال على الهوميوباثي تبلغ في الدنمارك 28%، وفرنسا 32%، وهولندا 31%، والسويد 15%، وبريطانيا 16%.

وتأتي “المعالجة بالألوان” عبر تسليط ضوء ملون على الجسم لتغيير مجال الذبذبات، والعمل على توازن طاقته. وفي “المعالجة الكريستالية” تستخلص الطاقة من الأحجار المعدنية والكريمة للتأثير على الجسم والدماغ. أما “المعالجة الحيوية” فعبر تبادل الطاقة بين المعالج والمرضى. وتستخدم “المعالجة الاستردادية الحيوية” أجهزة خاصة لتدريب المريض على التحكم في الوظائف الجسمية اللاإرادية، مثل حرارة الجسم وضربات القلب. كما توجد أساليب معالجة يدوية تقويمية للجسم، مثل العلاج الانعكاسي “الريفلوكسولوجي” ويعتمد على الضغط باليد على مناطق معينة في القدم/ اليد لترميم ما يلزم بواسطة الطاقة. وفي المساج الياباني يتم الضغط على نقاط معينة لفتح مسارات الطاقة الحيوية.

إقرأ أيضاً:  كيف نتعلم، ونتذكر؟

مساحة إعلانية


المعالجات العشبية – الطب الشرقي

تعتبر المعالجات بالأعشاب الطبية Herbal medicine أأمن وأكثر وسائل الطب الأصيل انتشاراً ورواجاً في العالم الغربي (أوروبا وأمريكا) فضلاً عن الشرقي (تنتشر العيادات والمشافي الكثيرة القائمة على هذا العلاج). إنها عودة “للطب الأخضر، طب الطبيعة” بعدما تعرض أيضاً “لهجمة لوقف انتشاره” من الإستعمار البريطاني للقارة الهندية. وفيه يتم استخدام زيوت ومستخلصات من الزهور والنباتات والأعشاب الطبية.. الكثيرة العدد، الهائلة التنوع. وقد أنتجت العديد من شركات الدواء العالمية مستحضرات دوائية وعلاجية وتجميلية معتمدة علي هذه المستحضرات العشبية الطبيعية.

نمط الحياة – الطب الشرقي

يؤكد “الطب الكلي” على أهمية “نمط الحياة والعوامل النفسية”، والنظر إلى الإنسان كوحدة متكاملة. ويسعى نظام التغذية بـ “الماكروبيوتك” إلى “موازنة” الطاقة الحيوية للجسم. فـ”الطب الايروفيدي” وهو أقدم علم صحة شامل، يعتمد على الرجوع إلى مصدر المرض وإزالته عن طريق الغذاء الطبيعي المناسب للأجسام. وتمارس اليوغا “إحدى إبداعات الشرق” في شتى أنحاء العالم. ومن الممكن أن تشكل جزءاً من نظام علاجي، بجانب كونها نظام رياضي/ نفساني. ويتم العمل على تشجيع المريض على “تصور” أجهزتهم المناعية وهي تقاوم وتتغلب على المرض. بينما يعتمد “التنويم المغناطيسي” على “الإيحاء الشفائي” للمريض بعد دخوله في حالة من “الغيبوبة الواعية”. فالمعالجة الذهنية، مجموعة قدرات ذاتية يدلك عليها المعالج أو الطبيب لتساعد في التخلص من المرض . وهي أيضاً تنتشر في الغرب حيث الكتب والوسائل الصوتية الخ.

حان وقت “الطب الشامل المتكامل”

وأصبح الكثير من كليات الطب المشهورة والمرموقة عالمياً، تدرس “الوخز بالإبر الصينية” لطلابها وأمس الكثير من الأطباء يعتمدونه كوسيلة علاجية معترف بها لعلاج الكثير من المشكلات الطبية كالروماتيزم، والسمنة، وتخفيف الآلام. وعلي الجانب الأخر.. بات الكثير من ممارسي الطب الأصيل يتبنى علوم وأساسيات الطب الحديث. فيطلبون من مريضهم إجراء تحليل وفحوص معملية متنوعة (كإنزيمات كفاءة الكبد الخ) قبل تحديدهم أي خلطة عشبية/ وسيلة علاجية تناسبهم!

لذا فقد حان الوقت لممارسة نوع جديد من “الطب الشامل المتكامل” Medicine Integrated يدمج ممارسات الطب الحديث مع ممارسات الطب الأصيل. ويرجي منه العلاج وفق علوم الطب الحديث، دون تجاهل أو استعلاء على فوائد الطب الأصيل المؤكدة. فمن درر هذا الأخير، التي أصبحت جزءاً من الممارسات الطبية الحديثة: فلسفة علاج المريض من منطلق شمولي، يأخذ في الاعتبار نمط حياته اليومية والبيئة المحيطة به وغذائه وطعامه، وحالته العقلية والنفسية. بغية الوصول لجذور المعاناة المرضية، وتصحيح الانحرافات عن النمط السواء، بدلاً من الاقتصار على مواجهة العلامات السريرية. فالطب الحديث في شقه الدوائي يعتني بالمريض حتى تختفي علته وتعود أعضائه لأداء وظائفها كسابق عهدها أو تكاد، لكن يجب عليه السعي المساوي والموازي لمنع حدوث العلل والأدواء. لذا فـ “الطب الأصيل” يتبني فكرة “الوقاية”، بشكل أكبر – ربما – من الطب الحديث. لذا فقد حان الوقت للإمساك بزمام المبادرة لدمج ممارسات الطب الأصيل المفيدة، لتحقيق نجاحات علاجية أكبر، ولحماية المرضي من الإستغلال والدجل.

وفي الختام – الطب الشرقي

يقول د. “ألكسيس كارليل” في كتابه “الإنسان ذلك المجهول”: “إن كشف القناع عما وراء ستار التركيبات الكيميائية والإفرازات الهرمونية، وفهم الأسرار العضوية والعقلية والنفسية، واتباع أنظمة صحية وقائية أهم كثيرا من إنشاء مشافي اضخم واغلى وإنتاج عقاقير أكثر وأكثر. يجب ألا يظل أي جانب من جوانب الإنسان المتعددة مجهولاً لا ينال قسطه الكافي والمناسب من العلم والدراية، فينال علم النفس ما يناله علم التشريح والفسيولوجي، وتنال مجالات التفكير والتعقل ما يناله علم البكتيريا إلخ. وهذه شهادة شاهد من أهلها.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  الإنسان، والحيوان: شراكة المرض


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

تأثر اللسان العربي بالتركي

الأثنين سبتمبر 20 , 2021
تمت قراءته: 2٬304 اللغة حياة، وحياتنا لغة، ولغتنا العربية مجدُنـا وشرفنا، ورمز الأمة المعبر عن ثقافتها وحضارتها. ديوان آدابها، ووعاء علومها، وترجمان أفكارنا ومشاعرنا، ووسيلة تحصيل معرفتنا وخبرتنا، وسبيل تواصلنا واجتماعنا. فلا تستقيم حياتنا وثقافتنا إلا بها، شَرُفنا بالنطق بها، والانتساب إليها، والحدب عليها. ومن جوانب الحدب عليها. إلقاء الضوء […]
تأثر اللسان العربي بالتركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة