الغيرة عند العرب

أقفُ متأملًا أمام قول سيدنا علي بن أبي طالب لفاطمة رضي الله عنهما: (مقالة: الغيرة عند العرب)

حظيت يا عود الأراكِ بثغرها
أما خفت يا عود الأراكِ أراك َ
لو كنتَ من أهلِ القتالِ قتلتك
ما فاز مني يا سِواكُ سِواكَ

الغيرة عند العرب
ويكيبيديا

واستذكرُ مجتمع العرب قديمًا، وما كان فيه من أخلاقٍ أبية تقوم على الاعتزاز بالعفة والشرف والغيرة. تفنن العربُ حماية عرضهم والمحافظة عليه. حيث كان المساس بالعرض يجلب الويلات والحروب. فلم يكن يتردد عربي في أن يتجشم في الدفاع عن عرضه، ولا يضنون بأي غالٍ، كانت الغيرة في القوم وكأنهم حقًا رضعوها مع لبان الأمهات.

الغيرة خلق فطري يتميز به العرب منذ الجاهلية. كانت الغيرة وسيلة لصيانة الماء، وحفظ النسب. وكان ولا زال التفاخر بالنسب صفة في العرب تميزهم عن غيرهم من الأمم.

وعند القوم مظاهر كثيرة للغيرة سواء في الجاهلية أو في الإسلام، ومثالُ ذلك:
كان من عادات العرب إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال أولًا فيسقون، وما إن ينتهي الرجال، تتقدم النساء حتى يغسلن أو يسقين. وإن رجل تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهذا غاية الذل.

وكان العرب في معاركهم يصطحبون النساء إلى القتال، وتقف خلف الجيش. فإذا لم يكن القتال عن مبدأ وعقيدة، كان لحماية عرضه وغيرته، حتى لا يُعير بعرضه. أو إذا شعر أحد بقرب الهزيمة، قال فيه نفسه ما ظنك في عرضك إذا ذهب إلى عدوك، فيقاتل بضراوة في سبيل عرضه.

أيضًا ما كان من سعد بن عبادة -رضي الله عنه – حين قال من الكلام ما يدل على غيرته الشديدة وهو بين يدي رسول الله
فقال النبي أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني.

وتغنى الشعراء بالعفة والغيرة وتفاخروا بها بحدٍ يفوق مد الحروف واتساع الكلمات!

قول عنترة بن شداد:

وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها

وقول الشاعر زكي مبارك:

إني أغار فليت الناس ما خلقوا
أو ليتهم خلقوا من غير أجفان
إن لم يروك فصوت منك يسحرهم
ياليتهم خلقوا من غير آذان

وكان من عادات العرب القديمة الطعن في الأنساب والأعراض قبل المعركة. ومعلومٌ عندهم أن جرح اللسان كجرح اليد.فكان هذا التجريح في الأعراض فتيل الحرب بينهم.

إقرأ أيضاً:  حين يكون أملنا في ذاتنا.. (الأمل المفقود)

مساحة إعلانية


ثم جاء الإسلام فقوّم صفة الغيرة عند العرب وضبطها. المؤمن الحق يغار بلا شطط، يغار على عرضه ويغار على محارم الله أن تُنتهك. فإن كان العربي يغار في جاهليته، فالرسول أغير منهم، والله أغير. قال الرسول ﷺ “لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن”.

وقد حارب المنافقون رسول الله ﷺ بهذا عندما لهجوا بحديث الإفك في عرض السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. “إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ” (15)

وكانت هذه محنة للنبي ﷺ، ثم برأ ربنا عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات ونزل فيه قرآن يتلى إلى يوم يبعثون. “إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.

وقال الحكماء: (كل أمة كانت الغيرة في رجالها، كانت الصيانة في نسائها، والغيرة في القلب كالقوة التي في البدن، تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك، وإذا ذهبت الغيرة كان الفساد).

لكن ما حدث في العصور المتقدمة، عندما دخل علينا الفكر الغربي بثوب الحضارة والتمدن والرقي. نُزعت الغيرة من قلوب العرب والمسلمين. بل أصبح الغيور على دينه وعرضه شخص متزمت، متشدد، دقة قديمة، إلخ من هذه التسميات. وتمزقت عادات العرب الأصيلة في براثن الغرب المقيتة.

لم يعد الرجل يثور عندما يُمس عرضه، ولم تعد النساء تغار على أنفسها ولا على رجالها. وكأن الثلج يجري في عروقهم ليل نهار. وخرج لنا حُدثاء الأسنان، الذين تربوا في أحضان الغرب، ليصفوا غيرة العرب والمسلمين بالرجعية وأنها لا تناسب التطور والحضر، وأنها عائق أما تقدمنا.

تاريخ العرب والمسلمين حافل بالمواقف التي تظهر أصالة صفة الغيرة فيهم. وهي صفة مطلوبة ولا تستقيم الحياة إلا بها. غار عمرو بن كلثوم عندما صاحت أمه وا عمراه. وغار المعتصم عندما استنجدت به امرأة مسلمة عندما صاحت: وا معتصماه. غار صلاح الدين الأيوبي على المقدسات الإسلامية وهب لتوحيد المسلمين وتحرير القدس. والنماذج في تاريخنا تطول.

ضبط الإسلام صفة الغيرة، حيث ذمها إذا كانت عن نعرة أو حمية جاهلية. وجعلها غيرة على الحق وفي سبيل الحق. جعلها غيرة معتدلة تستقيم بها حياة الإنسان. من المؤسف أن التربية على هذه القيمة الأصيلة اندثر، في زمن أحوج ما نكون فيه إلى الغيرة على ديننا ونسائنا والأوطان. نحث على إحياء هذه القيمة في النفوس وتعليمها للأبناء. وإن لم تكن الغيرة في نفسك لكونها دينًا، فلتكن لأنك عربي. فهي صفة في العرب من قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فحافظ عليها وزينها.

يقول الشاعر العباسي بهاء الدين زهير:

وأنزهُ اسمكَ أنْ تمرّ حرُوفه
من غَيرَتي بمَسامِعِ الجُلاّسِ
أقول بعضُ الناسِ عنك كنايةً
خوْفَ الوشاة وأنت كلّ النّاسِ “

رفعت ابراهيم ابو جامع
كاتب فلسطيني

(الغيرة عند العرب)

إقرأ أيضاً:  علوم الإدارة الحديثة في الإسلام والحضارة المصرية القديمة


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


المصادر – الغيرة عند العرب

⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

الآثار المصرية في الأدب العربي

السبت مايو 13 , 2023
تمت قراءته: 3٬364 أهرامات الجيزة، وأبو الهول، وتوت غنخ آمون، وتمثال رمسيس، والهياكل، والمقابر المصرية، ومنارة الأسكندرية، ومكتبتها القديمة والحديثة، وعمود السوراي الخ. إنها، وغيرها، من روائع الآثار المصرية والعربية والعالمية. كانت، ومازالت من عجائب الدنيا، وموضع إبهار وإدهاش البشر. قديمًا وحديثًا. وإن لم يُسعفك الحظ بمشاهدتها، كلها أو بعضها. […]
الآثار المصرية في الأدب العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة