البشرية تـُعيد الاعتبار للشعوب الأصلية

في كانون الأول/ ديسمبر 1994، قامت “الجمعية العامة للأمم المتحدة” بإعادة الإعتبار، وإنهاء قرون من “عدم المبالاة الدولية” تجاه ثقافات، وحضارات الشعوب الأصلية. وذلك من خلال إعلان التاسع من آب/أغسطس من كل عام “يومًا عالميًا للشعوب الأصلية”. ويمتدّ العقد الدولي الثاني لهذه الشعوب من 2005-2015 تحت شعار: “عقدٌ للعمل والكرامة”. (حضارات الشعوب الأصلية)

حضارات الشعوب الأصلية
بوابة أخبار اليوم

الشعوب الأصلية هي تلك: “التي توفّرت لها استمرارية تاريخية في مجتمعات تطوّرت على أراضيها قبل الغزو والاستعمار، لكنها تُعتبر متميّزة عن المجتمعات الأخرى. وقد عقدت العزم على الحفاظ على أراضي أجدادها وهويتها الإثنية، وعلى تنميتها وتوريثها للأجيال القادمة، وفقًا لأنماطها الثقافية ومؤسساتها الاجتماعية. ولا توجد بقعة، في قارات العالم وجزره المتناثرة، إلا وهي حُبلي بأجناس متنوعة من هذه الشعوب والقبائل الأصلية. تنوع مُفعم بالحيوية والثراء المحسوس، والمعنوي في آن معًا. وهو مدعاة للتعرف، والتعارف والتعريف، والتواصل، والإتصال. فهذه الشعوب العريقة، وتتألف من 5000 مجموعة متميزة تعيش في زهاء 90 بلدًا، وتمثل ما يربو على 5% من سكان العالم (أي نحو 370 مليون نسمةً)، أضافت مساهمات باهرة في الفنون، والأعراف، والثقافات (الشفهية، والكتابية)، وتميز الهُُويات، والأعراق، والهيئات، والأشكال، والألوان. فضلاُ عن أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجذورها، وتاريخها، وبالأرض التي تعيش عليها، والموارد والكنوز التي تُنتجها، والتنوّع البيولوجي من حولها.

ففي أوغندا، علي سبيل التمثيل، توجد جماعات عرقية، وقبلية رئيسة منها: باهيما، وبانيورو، وباتورو، وبانابودّو، وسكان جُزُر سيسي، وباكوكي، وباسوغا، وبافوما، وباغندا. ولكلِِ مراسم زواج، واحتفالات الولادة، ونظام غذائي، ومعتقدات، ومراسم جنائزية، وتاريخ، وقانون، وأنظمة مستخدمة في الوزن والقياس، وتراث فولكلوري، وعادات وتقاليد، وأنشطة تجارية وإقتصادية الخ. فهذه الجماعات، وغيرها كثير، تقوم بدور “الحارس الأمين” لثروات عظيمة من الثقافات، والماديات. وتمتلك خبرة فريدة من نوعها في الجمع بين التنوع الثقافي، والتنوع البيولوجي.

إقرأ أيضاً:  البدون

مساحة إعلانية


تحديات، وطموحات – حضارات الشعوب الأصلية

كانت “الجمعية العامة للأمم المتحدة”، قد اطلقت في أيلول/ سبتمبر 2007، إعلانًا بشأن حقوق الشعوب الأصلية جاء فيه: “هذه الشعوب لها الحق في إحياء واستخدام وتطوير تاريخها، ولغاتها، وتقاليدها، وفلسفاتها، ونُظمها الكتابية، وآدابها، ونقلها إلى أجيالها المقبلة، وتمكين أصواتها من الوصول لكافة البشر”. ومما لا شك فيه أنه إن لم تبذل الجهود الحثيثة فإن الكثير من هذه الأمور قد تضمحل تندثر وتنقرض خلال الـعقود القادمة. وبخاصة أن التواصل والاتصال الموسع بين مجموعات (كانت معزولة) من الشعوب الأصلية وبين المجتمع الحديث قد يؤدي إلى فقدان بعض ممارساتها الثقافية، ولغاتها النادرة.

فضلًا عن أن هذه الشعوب لا زالت تكافح للتصدي لمجموعة من المشاكل الثقافية والإجتماعية والإقتصادية. وتسعى سُبل ووسائل إعلامها لتتحدى الصور الثقافية النمطية عنها وترغب في التأثير على “الأجندات الوطنية” لترسيخ هوياتها الثقافية والحضارية. كما يعاني العديد من مجتمعاتها من الفقر، والحرمان من التعليم، والبطالة، والمرض، والتغيرات المناخية القاسية، وشُح بعض الموارد الطبيعية الخ. وكانت منظمة العفو الدولية Amnesty international قد اتهمت في تقرير لها في آب/أغسطس 2012 حكومات دول قارة أميركا “بوضع المكاسب قبل الحياة المادية والثقافية لآلاف السكان الأصليين”، واعتبرت أن الحكومات تفشل في الالتزام بالتشاور مع الشعوب الأصلية حول مشاريع التنمية المتعلقة بالطرق السريعة وخطوط الأنابيب والسدود الكهرمائية والمناجم في أراضيها التقليدية أو المحيطة بها.

ومن المعلوم أن أكثر دول العالم “صخبًا في التحدّث عن حقوق الإنسان وشعاراته” قد مارست، عبر التاريخ، تعديًا على حقوق وحريات هذه الشعوب الأصلية. تعديًا بالقتل، والإبادة، وطمس الهوية، والتمييز العنصري، وتدمير وتجريف ما يعتمدون عليه من موارد طبيعية. نباتية أو حيوانية (تم استنزاف الجاموس الأميركي، الثروة الحيوانية الرئيسة للهنود الحمر). وبدأت هذه الإعتداءات والإنتهاكات مع الغزوات الإستعمارية للقارات وبخاصة “الجديدة” (الأمريكتين، واستراليا). فضلًا عن القارة السمراء (إفريقيا).

أما مابقي صامدًا من هذه الشعوب فتعرض لمعدّلات مقلقة من الإفقار، وتكريس أسباب الجريمة، والمشاكل الصحية، والظلم الإجتماعي، والتمييز، والتهميش، وانتهاكات حقوق الإنسان الخ. لذا فتحسين أوضاعها يتطلّب اعترافًا بوجودهم، وثقافاتهم، وهوياتهم، ونموًا اقتصاديًا واسعًا ومستدامًا. إنها طائفة متنوعة من القضايا المُلحة من قبيل خطر اندثار ثقافات هذه الشعوب بما فيها فنونها، وملكيتها الفكرية، وضرورة الحفاظ عليها وإحيائها. جملة القول: الشعوب الأصلية وعاء لتراث ثقافي نفيس، لكنه كثيرًا ما يتعرض للتلاشي بوتيرة سريعة. لذا ينبغي تعريف وتشجيع المجتمعات على قبول هذا التنوع الذي يثري الأسرة البشرية.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

(حضارات الشعوب الأصلية)

إقرأ أيضاً:  قلبي موجوع


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

البروتين "الأزرق".. مزارع سمكية في عمق البحار

الثلاثاء يونيو 7 , 2022
تمت قراءته: 1٬654 سنويًا. يزداد المعدل العالمي لاستهلاك البروتين. ومع تناقص معدلات صيد الأسماك، وكلفة إنتاج اللحوم، قد يصبح استزراعها مصدرًا هاما ً للبروتين الحيواني. الأكثر استدامة، وتحقيقًاً “للأمن الغذائي”. (البروتين الأزرق.. مزارع سمكية في عمق البحار) يتجاوز عدد سكان العالم حاليًا 6.9 مليار نسمة. وسوف يرتفع إلى 9.3 مليارًا […]
مزارع سمكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة