همم كالجبال

كلما قرأت أكثر عن التاريخ ازداد عجبي مما أمر عليه من السباق والتنافس الذي شكله رجال ونساء أمتنا العظيمة وأقارن بين عصرهم وعصرنا فأجد أن ما كان يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم من التنافس عن الدنيا بدل الآخرة حاصل وأننا أصبحنا نلهث وراء كسب المال، ولا يهمنا إن كان من حلال هو أم من حرام كل ما يهمنا هو الكنز والجمع. همم كالجبال

همم كالجبال
صفحة

وكأننا لم نقرأ آيات سورة التوبة، قال تعالى {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [1]سورة التوبة – 35، طبعًا هذا استخدمها فيما لا يرضي الله.

وعندما نعود إلى الوراء نرمق تلك الهمم التي كانت تتسابق في مضمار السباق من أجل الفوز بالجنة فهذا يسافر بالسنوات لطلب الحديث وذاك يجوب الأمصار طلبًا للعلم والفقه، وآخر يخط ويكتب، وآخر يؤرخ ويوثق، وكل في ثغره يحرسه ويحاول جاهدًا أن ينال به رضا الله تعالى، فنحن نقرأ، عن البخاري الذي جاب كل الأمصار الإسلامية ليجمع لنا أصح كتب الحديث، ونقرأ عن الإمام مالك والشافعي وأحمد الذين كانوا يجوبون البلدان ليأخذوا العلم ويعطوه، كان زادهم قليل ولكن همتهم عظيمة.

كانوا كالجبال الراسية لا يرضون بأن يؤتى الإسلام من ناحيتة أحد منهم، فهذا أحمد يكابد وحده فتنة خلق القرآن وذاك مالك يجلد ولايبالي، وآخر تتفطر قدماه من رمضاء الصحراء ليطلب العلم، وهذا الليث بن سعد يسافر من مصر للمدينة ليتحقق من صحة حديث. همم كالجبال

والهمم لم تكن في العلم الشرعي فحسب فهذه الأمة قد حازت السبق في كل شيء، فهذا ابن الهيثم يؤلف كتاب في علم البصريات ظل مرجعًا للحضارات الحديثة للزمن قريب، وابن سينا الذي برع في الطب، والفارابي، والخوارزمي، وابن فرناس والنباتي، كلهم في مجاله يجتهد ويكابد من أجل أن يرضي الله وينفع بعلمه أمته والبشرية جميعًا.

‏إننا الآن في أمس الحاجة لمثل هذه العزيمة ولمثل هذه الروح أن تدب في أوصال أبناء هذه الأمة بعد أن خفت بريقها وضاعات في دهاليز التطور المزعوم الذي يسعى لأن يبعد الناس لا عن الإعتقاد بالله فقط وإنما تجريدها من فطرتها السوية.

‏اننا اليوم نحتاج لبخاري جديد وابن فرناس جديد، لشخص كالخوارزمي وآخر كابن الهيثم، نحتاج لفاتحين عظام ولا مكان للسن ولا للحجم، محمد فاتح يدك حصون القسطنطينية، وابن زيد أسامة يحارب اعتى الجيوش، وكعب ابن مالك يتحدى الأخطار، وخالد جديد يعيد للأمة عزتها، ان كل أم وكل أب مطالب بأن يزرع روح الهمة في قلوب ابنائه لينجب جيلًا قادرًا على بناء حضارة تزخر بأعلام لا يموتون مهما طال الزمان. لايموتون بما ورثوه من علم بما ورثوه من ابتكار واختراع، إن نفوس أولادنا في حاجة لأن تعرف من أية أمة هي وحفيدة من تكون. همم كالجبال

‏لاشك في أن غوصنا في الدنيا وملذاتها قد أبعدنا عما يجب أن نكون عليه، ولكن مازال هناك أمل في أن نعود، علموا أولادكم ما قام به صلاح الدين والظاهر بيبرس، ما قام به سيف الدين قطز وما قاله سليمان القانوني يوم وفاته، أخبروه عن اساطيلنا التي تجوب البحار وعن فرساننا الذين لم يتركوا بقعة إلا وسارعوا بتبليغ دين الله فيها، أخبروهم عن أمهاتهم الأبيات، عن خديجة وعائشة عن أم عمارة المجاهدة وخولة بنت الأزور المحاربة، علموهم كي يشتعل في قلوبهم همم لا تخفت إلا عندما يحققون ما نصبوا إليه إلا عندما يعيدون للإسلام عزه، والخطوة الأولى أن نتبع ما قاله سيد العالمين، تَركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي. [2]الدرر السنية

‏وكما قال الفاروق رضي الله عنه وهو يوصي الجند وهم في طريقهم إلى القادسية”الزموا السنة تلزمكم الدولة”. همم كالجبال

الضيف بلول

 

إقرأ أيضاً:  لأنك الله


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


الملاحظات أو المصادر

الملاحظات أو المصادر
1 سورة التوبة – 35
2 الدرر السنية
⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

مكوجي الرجل: راقص باليه

السبت يوليو 17 , 2021
تمت قراءته: 1٬718 مكوجي الرِجـْــل: راقص باليه يقف على قدم واحدة، وينحني محتضنًا الأخري ليمارس مهنته العريقة بنشاط ورشاقة وإتقان. ويتحرك كثيرًا، كأنه راقص باليه، باذلًا جهدًا كبيرًا، فتراه نحيفًا. حاولت أن اُحصي عددهم -في دائرة سكني الكبيرة نسبيًا- فوجدتهم إثنين فقط. يتفردون وسط عشرات من قرنائهم في مهنة الكي، […]
مكوجي الرجل

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة