الطوابع البريدية: “البنس الأسود”، وأياديه البيضاء

أثرت “الطوابع البريدية” جوانب متعددة من الوعي الثقافي، والجمالي، والتاريخي، والإنساني. ليس فقط لسطوع هويتها البصرية الموضوعية. بل لدلالاتها الرمزية في الذاكرة الجمعية، والأرشفة المعرفية والحياتية. كل هذا وغيره يمثل شكلًا من أشكال “الهوية الثقافية” الداعم لـ”كينونة” الأوطان، و”شخصياتها” الإعتبارية.

الطوابع البريدية
مجلتك

علي الرغم من “ثورة الاتصالات” وتحول العالم إلي “قرية كونية”، ما زالت الدول تدرك الأهمية الرمزية للطوابع والبطاقات البريدية، ودورها في إيصال اسمها، والتعريف بـ”هويتها” الوطنية، ورموزها الثقافية والسياحية والتاريخية، وإنجازاتها الحضارية… إلخ. وما ترغب في التعبير/ المشاركة به في قضايا ومشكلات تلك “القرية”. ولعل السمة الغالبة / الفارقة في تفاعلات البشر هي الجوانب الإنسانية. وتشكل الورقة اللاصقة “همزة الوصل” في إيصال رسائل عالمية ذات مضامين إنسانية.

ولقد سجل البريد جانبًا من تحولات الثقافة والإبداع، والعلاقات الاجتماعية العربية. وليس من شك في أنها تساهم في إثراء الحياة المعرفية والعلمية والفنية وتعرف بتاريخ الأمم والشعوب ورموزها في مختلف المجالات، وتعمل على توثيقها والتذكير بها حفاظًا عليها من الاندثار، أو النسيان. و(البَـريد) لغةً: الـُمُرتّب، يُـقال حُمل فلان على البريد. والبريد: الدابة/ البغلة / الخيل المرَتّبة في الرباط، والبريد أيضًا مسافة تُقدر باثني عشر ميلًا. وصاحب البريد قد (أبرد) فهو (مُبرد)، والرسول (البشر، الحَمام الزاجل، الدواب، البريد العادي، فالإلكتروني، فالفاكس، فـ “الخلوي/الجوال) بريد. وقيل لدابة البريد بريد لسيره في البريد.أصل الكلمة مختلف عليها فبعضهم يقول إنها عربية مشتقة من (برد، أو أبرد) بمعنى (أرسل). بينما ذهب آخرون إلي أنها فارسية الأصل (بريده دم)، أي: (مقصوص الذنب)، وذلك لأن الفـُرس كانوا يقصون ذنب دواب البريد ليمتاز عن غيره من الدواب.

وتعود “قصة البريد” إلى عهد الفراعنة الذين نظموا نقله خارجيًا وداخليًا. وكانوا يستخدمون “سعاة” يسيرون على الأقدام يتبعون ضفتي النيل في ذهابهم وإيابهم، بينما يسلكون طرق القوافل والجيوش إلى خارج البلاد. واهتم العرب بعد فتح مصر بالبريد، واستخدموه في نقل أخبار الدولة والتراسل بين الولاة وساروا على النظام الذي وضعه الفرس والبطالمة من قبل. لقد كانت ومازالت “الحاجة أم الاختراع” فقد تقدم الإنكليزي “رولاند هيل” Rowland Hill مطلع عام 1837م باقتراح “إصلاح البريد”، عبر مستعمرات الإمبراطورية البريطانية.

وقد كانت إدارات البريد فيها تعاني صعوبات في تحصيل ما لها من أجور، وما تتحمله من خسائر نتيجة “الدفع عند التسليم”. وذهب “رولاند” إلى توحيد أجرة الرسائل على أساس الوزن لا المسافة المقطوعة، مع “تخليص الرسالة مسبقًا” باستعمال أوراق مدموغة تلصق على المراسلات البريدية سُميت “طابعًا” Stamp، يكافئ ثمنها الأجر المطلوب، ويشكل “عقدًا” بين عميل البريد ومكتب البريد. وتم تداول “الطابع” ابتداء من 6 أيار 1840م، وحمل أول طابع -وكان قيمته بنسًا واحدًا- رسمًا جانبيًا لرأس الملكة فيكتوريا (1819-1901م) على خلفية سوداء، لذأ عُرف بـ “البنس الأسود”.

وقد حذت دول العالم حذو الإمبراطورية البريطانية، فأصدرت البرازيل طوابع سُميت “عين الثور”، وفي عام 1847م بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تصدر طوابعها، بينما تأخرت فرنسا في استعمالها حتى بداية العام 1848م. وكانت مصر من البلاد السباقة في الانخراط في الحركة البريدية العالمية التي بدأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي التي اضطلعت بتنظيم المؤتمر البريدي العالمي في دورته العاشرة عام 1934م، وتوافق عقد المؤتمر مع الذكرى الـ70 لإنشاء مصلحة البريد المصرية. وكانت المملكة العربية السعودية من الدول التي أعطت الطابع البريدي أهمية خاصة في توثيق تاريخها وتراثها وثقافتها، وإيصال رسالتها، وإثبات ريادتها.

أوراق رسمية (الطوابع البريدية)

طوابع البريد Post stamp (البوسطة/ البوستة) قطع ورقية رسمية تصدرها الدولة، مُصمغة بصمغ جاف (لإلصاقها بعد ترطيبها بماء). وهي تحمل رقمًا يحدد قيمتها المالية (الوظيفية)، وبها صورة أو رسمًا أو زخارف رمزية، وعناوين، ورموز، وتواريخ، وشخصيات وأحداث ومصممة بلون واحد أو بعدة ألوان. والطوابع إما عادة مستطيلة الشكل أو مربعة، وفي أحيان قليلة بيضوية أو معيّنة الشكل. في أول عهدها بقيت الطوابع مستقيمة الحواف غير مسننة، ويفصل الواحد منها بمقص، وفي عام 1847م اقترح تثقيب محيطها ليسهل فصلها، فصار لها حوافها المعروفة اليوم. ولأن الطابع وثيقة إبرائية ودليل على تسديد أجرة البريد، فإن إدارات البريد تحرص على أن تكون طوابعها مميزة وخاضعة لرقابة مشددة. كما تعد كل إدارة برنامجًا سنويًا لإصداراتها تحدد فيه مناسبة إصدار الطابع، وتاريخه، وقيمته، وتكلف متخصصين لتصميم طوابعها، ويستعمل ورق خاص في طبعها تحت إشراف فنيين محترفين.

وتعتبر “الإصدارات العادية” الأكثر استعمالًا، وبعد شيوع نقل البريد عبر الطائرات ظهرت طوابع موشحة بكلمة “بريد جوي”، أو صورة طائرة تميزها عن العادية، وتزيد قيمتها عنها لأنها تشتمل على العلاوة الجوية. وبات استعمال الطوابع لا يقتصر على وظيفة تخليص الرسائل بل يتعداها إلى تخليص البرقيات والمطبوعات والطرود والحوالات البريدية والمواد المسجلة المؤمن عليها والرسوم. لكن في مدد محددة، يزاحم بيع الإصدارات العادية طابع أو مجموعة طوابع تذكارية تُخلّد مناسبة بعينها أو حدثًا أو مؤتمرًا أو موقعًا هامًا، أو صورة وجه رئيس الدولة/ الجمهورية/ المملكة أو رمزًا من رموزها، أو عظيمًا من عظمائها الخ.

الطوابع البريدية الجوية
Kanbkam

الطوابع البريدية العربية: وثائق “سيادية”، وتاريخية

قبل الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) كانت معظم الأقطار العربية تطبق الأنظمة النافذة في الدولة العثمانية. ومنذ أن عرفت أوروبا “الإصلاح البريدي” حتى عام 1862م كان تخليص المراسلات البريدية في أكثر الأقطار العربية وفي الدولة العلية يتم بأختام مميزة لكل مكتب تبصم بها الرسائل بعد دفع أجرتها. وكان بعضها مؤرخ بالعام 1258هـ/1841م. وفي مطلع العام 1863م وضع البريد العثماني أول إصدار له في التداول في جميع مكاتب البريد وشُعبه. وإضافة إلى مكاتب البريد العثمانية كانت هناك مكاتب بريد أجنبية تعمل لحسابها الخاص، وقد أقامتها بعض الدول الأوربية “صاحبة الامتياز”، في عدد من المدن الساحلية في الأقطار العربية.

وكانت تستعمل طوابع يصدرها المكتب نفسه، أو طوابع بريد الدولة التي ينتمي إليها، وقد بقي بعض هذه المكاتب يعمل إلى ما بعد عام 1914م. وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانسحاب الجيوش العثمانية من بلداننا العربية، توقفت مكاتب البريد وشُعبها عن استعمال الطوابع العثمانية، وأحلت محلها طوابع تناسب الأحوال التي سادت كل بلد من هذه البلاد. فأصدرت مصلحة البريد في الحجاز أواخر 1916م مجموعتها الخاصة من الطوابع العربية. وبعد توحيد نجد والحجاز وعسير صدرت العام 1934م أولى مجموعات طوابع “المملكة العربية السعودية”.

بينما ظلت مصلحة البريد في “اليمن” تستعمل أختام البريد إلى العام 1928م، حيث صدرت أول مجموعة طوابع خاصة بها، وفي العام 1963م صدرت طوابع “الجمهورية العربية اليمنية”. في حين كانت “عدن” (اليمن الجنوبي) تستعمل طوابع الهند البريطانية وتـُبطل بأختام. لكن في العام 1937م استعملت “عدن” وبقية المحميات البريطانية جنوبي الجزيرة العربية طوابع خاصة بها. أما الطوابع التي حملت اسم “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” فقد صدرت في 1971م.

واستعملت بريطانيا في “مسقط” طوابع هندية، وفي أواخر 1947م تولت الباكستان إدارة شؤون البريد في “مسقط وعمان”، وفي يوليو 1970م صدرت طوابع سلطنة عمان. وقد ظل مكتب بريد “قطر” يستعمل طوابع “مسقط” حتى 1957م، ثم استعمل طوابع بريد بريطانية موشّحة باسم “قطر”، ومنذ أواخر 1971م أصبحت طوابع البريد تحمل اسم “دولة قطر”. من دون أي توشيح ظلت “البحرين” تستعمل طوابع البريد الهندية حتى العام 1933م، فاستعملت طوابع الهند البريطانية موشحة باسم “البحرين”، وفي عام 1961م صدرت أول مجموعة طوابع خاصة بالبحرين، وفي 1973م أصدرت إدارة البريد مجموعة طوابع تحمل اسم “دولة البحرين”.

إقرأ أيضاً:  تاريخ الفتوات في مصر القديمة - البداية و النهاية

مساحة إعلانية


وافتتح أول مكتب للبريد في “الكويت” عام 1915م بإشراف إدارة البريد الهندية، واستعملت طوابعها من دون توشيح، وفي 1923م وُشّحت مجموعة من طوابع الهند البريطانية باسم “الكويت”. وفي مطلع 1959م تسلمت إدارة الكويت الوطنية أمور البريد، وأصدرت أول مجموعة طوابع لها تحمل اسم “دولة الكويت”. وفي عام 1961م وُحِّدت المشيخات والإمارات المحمية في جنوب شرقي الجزيرة العربية تحت اسم “الإمارات المتصالحة”، وصدرت لها مجموعة طوابع. ومنذ 1963م أخذت هذه الإمارات تستقل بريديًا وتصدر كل منها طوابع خاصة بها، وبعد انسحاب القوات البريطانية من منطقة الخليج تأسست دولة “الإمارات العربية المتحدة”، وصار لها إدارة بريد موحدة أصدرت أول مجموعة من طوابعها بتاريخ 1/3/1973م.

وبعد أن احتلت جيوش الحلفاء “لبنان” استعملت فيه الطوابع “خالص الأجرة” ثم استعملت طوابع فرنسية مُوشّحة. وفي عام 1925م أصدرت مصلحة البريد اللبنانية أول مجموعة طوابع موُشّحة بعبارة “Republique Libanaise”. ثم في عام 1928م أُضيف إليها بالعربية عبارة “الجمهورية اللبنانية” وتوالت بعدها الإصدارات العادية والتذكارية. وحتى آذار 1917م كان “العراق” يستعمل طوابع عثمانية، وبعد دخول الجيش البريطاني وُشِّحَت بعض تلك الطوابع بعبارة «بغداد تحت الاحتلال البريطاني» Baghdad In British Occupation. ومنذ 1923م بدأت إدارة البريد العراقية تصدر مجموعات طوابع خاصة بها. وفي أواخر 1953م وُشّح بعض تلك الطوابع بعبارة “الجمهورية العراقية”، وتتالت إصدارات رسمية باسم “الجمهورية العراقية”.

أما السودان فقد استعملت إدارة البريد، بدءًا من 1897م، طوابع مصرية مُوشّحة. ثم في 1898م صدرت طوابع خاصة تحمل عبارة “بريد السودان”، وفي عام 1960م صدرت طوابع تحمل اسم “السودان”ثم”جمهورية السودان”، وأخيرًا “جمهورية السودان الديمقراطية”. بينما ظلت مكاتب البريد في ولاية “طرابلس الغرب”، ومتصرفية “بنغازي” تستعمل الطوابع العثمانية حتى الاحتلال الإيطالي. وفي 1901م وشّح الإستعمار الإيطالي طابعين من طوابعها بكلمة “Bengasi”، وفي 1923م بدأت تستعمل طوابع كُتب عليها Tripolitania أو Tripoli، وفي 1912م حملت الطوابع عبارة “مستعمرة ليبية” بالإيطالية، واستعملت جميع هذه الطوابع حتى إعلان “المملكة الليبية” عام 1952م. وفي عام 1969م صدرت أول مجموعة طوابع تحمل اسم “الجمهورية العربية الليبية”، ثم تلتها طوابع “الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى”.

قبل عام 1888م كانت مكاتب بريد المستعمر الفرنسي تتولى خدمات البريد في “تونس”، وتستعمل طوابعها الخاصة بها، وتبطلها بختمها. وفي 1888م صدرت أول مجموعة طوابع تونسية، ومنذ 1957م بدأت تصدر طوابع تحمل اسم “الجمهورية التونسية”. أما “الجزائر” حيث الأستعمار الفرنسي يعتبرها “مقاطعة من المقاطعات الفرنسية”، لذا فقد ظلت مكاتب البريد في الجزائر تستعمل طوابع فرنسية حتى عام 1923م. ثم في عام 1924 أصدرت الإدارة الفرنسية مجموعة خاصة بالجزائر هي طوابع فرنسية مُوشّحة بكلمة Algerie، ثم تتابعت إصدارتها. وفي عام 1962م استعملت أول مجموعة طوابع جزائرية، ثم توالت إصدارات طوابع “الجمهورية الجزائرية” المستقلة باسم “الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية”.

فيما بين 1891– 1901م كانت خدمات البريد في “المغرب” تتولاها مؤسسات خاصة، وتستعمل طوابع بريد خاصة بها. كما كانت هناك مكاتب بريد فرنسية تستعمل طوابع فرنسية (1891-1914م). وفي عام 1917م بدأت إدارة البريد المغربية تصدر طوابع بريدية عليها كلمة “المغرب Maroc”، وفي عام 1956 صدرت مجموعة طوابع تحمل اسم “المغرب الأقصى”ثم”المملكة المغربية”.
استعمل البريد الأردني، منذ عام 1921م، طوابع “فلسطين” مُوشّحة بعبارة “شرقي الأردن”، ثم بعبارة “حكومة الشرق العربية”.

وفيما بين عام 1924م حتى عام 1927م استعملت بعض طوابع الحجاز موشحة بعبارة “حكومة الشرق العربي”. ومن ثم في العام 1927م أصدرت مصلحة البريد الوطنية طوابع خاصة بها. لكن الطوابع التي حملت اسم “المملكة الأردنية الهاشمية” بدأت في الصدور منذ عام 1949م. وفي “فلسطين”، بدءأً من عام 1918م، كانت مصلحة البريد تستعمل الطوابع المصرية. وفي عام 1921م وُشّحت هذه الطوابع بعبارة “فلسطين” بالعربية والإنكليزية والعبرية. ثم أصدرت مصلحة البريد الفلسطينية مجموعات تحمل صور مساجد للبلاد وآثارها وكتابات باللغات الثلاث، وقد ظلت هذه المجموعات في التداول حتى عام 1948.

وكانت مكاتب البريد الأجنبية تقوم بخدماتها في مصر. بيد أن الطوابع المصرية مثلت باكورة الطوابع العربية، فمنذ نشأتها العام 1866م، في عهد الخديو اسماعيل (1863-1879م)، وصولًا لقيام المملكة المصرية في عام 1922م أصدرت الحكومة الخديوية المصرية عدة مجموعات طوابع. وقد عنونت طوابعها بـ”البوستة المصرية”، ومع قيام المملكة اعتلاء الملك فؤاد الأول عرش مصر(1922م)، ومن بعده الملك فاروق (1936-1952م) وُشّحت المجموعات الطوابعية بعبارة “المملكة المصرية”، ثم تتابعت الإصدارات العربية والتذكارية تحمل عبارة “الدولة المصرية” أو “البريد المصري”، وقد أضيفت عنوان المناسبة، واستعملت الفرنسية كلغة أجنبية. ثم صدرت طوابع بريدية حملت اسم “مصر” تؤرخ لثورة يوليو 1952، وكذلك لحدث هام وخطير كتأميم قناة السويس (1956م).

وإبان فترة قيام “الجمهورية العربية المتحدة” صدر العديد من الطوابع البريدية التي “تتحدث عن نفسها” فتحكي ذكرى، وتكرس ذكريات، ومناسبات متعددة مثل: إنقاذ آثار النوبة، وملامح دار الأوبرا المصرية القديمة، وبرج القاهرة بالجزيرة، وما يخلد النهضة الصناعية، وإنجازاتها في مجال الأسمنت، والنسيج والمنسوجات الخ. طوابع اصدرت كمؤشر دال على “السيادة” وعلي استمرارية الحكم في النهوض بالأعباء الوطنية والصناعية والاجتماعية والثقافية.

ومن الطوابع الهامة في تاريخ مصر الحديث ما خلد ذكرى حرب أكتوبر المجيدة (1973م). طابع تذكاري يحمل صورة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وعلم موشح بكتابات “شرارة التحرير 10 رمضان 1393هـ”، ثم هناك طابع تذكاري يُخلد الذكرى الأولى لتحرير سيناء (1983م)، ذكرى غالية على قلوب المصريين. ومن إصدارات الطوابع المصرية التي (تُعلن) عن الإنجازات الثقافية والفنية والرياضية والعمرانية: ذكرى تجديد منارة الإسكندرية (1998م)، وعرض أوبرا عايدة (1999م)، وإعادة إنشاء وافتتاح مكتبة الإسكندرية (2002م)، وذكرى الفوز بكأس الأمم الأفريقية لكرة القدم(2008م) (حيث للرياضة دور غير منكور على كافة الأصعدة الشعبية والرسمية)، وذكرى عبور مترو الأنفاق تحت النيل (1999م) في الخط الثاني لمترو الأنفاق الذي يربط بين محافظات القليوبية/ القاهرة/ الجيزة. وتوجد مجموعة من الطوابع صادرة عن الجمهورية العربية المتحدة العام 1960م وتحمل شعار الألعاب الأوليمبية. وهي تشير لألعاب كرة السلة والشيش وكرة القدم والتجديف والفروسية والسباحة ورفع الأثقال.

إقرأ أيضاً:  رواد العلوم في مطلع القرن العشرين.. إنجازات وإخفاقات

مساحة إعلانية


الطوابع. تحكي ثقافة (الطوابع البريدية)

كثيرًا ما يهفو المرء، لإثراء جوانب وعيه الثقافي والجمالي بترحال عبر التأمل في الطوابع البريدية. فهي تتنوع وتتداخل دلالاتها من العلامة/الرمز إلي الذاكرة الجُمعية، إلى الأرشفة المعرفية والحياتية، إلي الإعلام والترويج الرسمي -المحلي والعالمي- بأقل كلفة ممكنة. لذا سيبقى “في التاريخ طوابع، وفي الطوابع تاريخ وأحداث ثقافية”. فضلاُ عن تحولات ثقافية واجتماعية عربية. وهناك العديد من الأعمال الإبداعية التي تناولت البريد على مر العصور. وكتب الأديب “صبري موسي‏”، سيناريو وحوار فيلم “البوسطجي” (‏1968‏) كإحدى العلامات الفارقة في السينما المصرية والمأخوذ عن قصة “ليحيي حقي” عنوانها “دماء وطين‏”. ‏ وعلي جانب آخر. انتهت -مؤخرًا- إدارة المشروعات الخاصة وقطاع تكنولوجيا المعلومات في مكتبة الإسكندرية، من توثيق تاريخ البريد المصري في العصر الحديث الذي يعد الأقدم عربيًا، من خلال أربعمائة طابع بريد ووثائق وصور نادرة.

ولقد صدر العديد من الطوابع البريدية التي تحكي أحداثًا، وتكرس ذكريات، وتوثق إنجازات ثقافية وفنية وسياحية هامة مثل: إنقاذ آثار النوبة، وملامح دار الأوبرا المصرية القديمة، وعودة الحياة للأوبرا المصرية وبلوغ ذروتها بعرض أوبرا عايدة (1999م)، وبرج القاهرة بالجزيرة، ومكتبة الإسكندرية، والاحتفاء بيوم الأم العربية، وعيد الأم، ويوم المدينة العربية، والاتصالات الفضائية. وهناك مجموعات من الطوابع التذكارية تخلّد أحداثا منها الكشف الأثري عن رأس شمرا (أوغاريت)، وموقع تلّ مرديخ (إيبلا)، ومجموعات أبطال العرب ومشاهيرهم كصلاح الدين الأيوبي وأبي العلاء المعري، أو شخصيات عالمية مناصرة لقضايا العرب كـ”داج همرشولد” وغيره. وقد صدّرت طوابع بمناسبة قومية كعيد الجلاء، أو كمهرجان القطن أو معارض دولية للكتب وللثقافة.

الطوابع البريدية - انقاذ اثار النوبة
Kanbkam

إن التقدم البشري والحضاري لا ينهض إلا بالعلم، ومساهمات المراكز العلمية والبحثية، وجهود العلماء وما يرصد لهذا المجال من دعم مادي ومعنوي واسع النطاق. وما القفزات الهائلة والرائعة في مسيرة البشرية إلا بالعلم. وهناك عدد من الطوابع الصادرة (2006م) عن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية صدرت تسعى لنشر “ثقافة حقوق الإنسان” بكافة أبعادها وجوانبها باعتبارها “أمانة” ينبغي أدائها. كما أن هناك طوابع تذكارية بمرور ربع قرن على تسجيل أول جمعية خيرية. طوابع صدرت كمؤشر دال على استمرارية النهوض بالمسئوليات الثقافية والاجتماعية والوطنية.

ولعل ارتفاع حرارة الأرض، وتنامي ظاهرة “الصوبة الزجاجية”، ومخاطر ذوبان الجليد القطبي، وتوقع غرق أراضي الدلتا في عدد من الدول، وتآكل طبقة الأوزون، والأمطار الحمضية، وزيادة التصحر، وتآكل الغابات والمحميات، وتزايد نسب وعناصر وأنواع التلوث الخ مشكلات بيئية تهدد الإنسانية جمعاء. والمشاركة “العادلة” بين الأغنياء والفقراء في حلها مطلب أساس، تُدار حوله مؤتمرات، وتُجري مفاوضات، وتنطلق مسيرات. لكن تبقى الطوابع تذكر “بيوم البيئة العالمي”، وبضرورة وخطورة هذا الأمور في أن معًا، والعمل معًا على “معالجتها”. كما تسعى للتعريف بمختلف البيئات والمخلوقات والحيوانات الضخمة والطيور والأشجار والنباتات والأزهار والأحياء البحرية والحشرات والفراشات المتميزة، التي تخلق -جميعها- سفيرًا إنسانيًا ينضح بالبهجة والمتعة للناظر إليها. وتبقي وتيرة إصدار الطوابع البريدية العربية التي عنيت بالتواصل الرياضي العالمي عبر الأولمبياد، وكأس العالم، وأهم الأحداث والانتصارات الرياضية الدولية أمرًا ملحوظا.

ومنذ قيام “عصبة الأمم” (الأمم المتحدة) بنهاية الحرب العالمية الثانية، وصدور “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” باتت تلك القضية قضية عالمية، تقترب من تحقيق هذا الإعلان آو تبتعد عنه لكنها تحظى باهتمام شعبي ومجتمعي ودولي ملحوظ. ولقد واكبت الطوابع البريدية هذه الأمور الأممية، كما شرعت إدارات البريد في إصدار مجموعات طوابع تشير لمشروعات خيرية وإنسانية، وتحمل علاوات إضافية على فئة الطابع الأصلي يرصد ريعها لمساعدة الجمعيات الخيرية كالصليب والهلال الأحمرين ورعاية اللاجئين وغيرها.

ومواكبة لتوجه الإنسانية للاهتمام بقضايا المرأة، وذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين وكبار السن والأيتام، والمشردين واللاجئين صدر العديد من الطوابع البريدية التي تبرز هذا الاهتمام. وهناك عدد من الطوابع الصادرة (2006م) عن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية صدرت تسعى لنشر “ثقافة حقوق الإنسان” بكافة أبعادها وجوانبها باعتبارها “أمانة” ينبغي أدائها. كما أن هناك طوابع تذكارية بمرور ربع قرن علي تسجيل أول جمعية خيرية.

ولقد أخذ الاهتمام بوجود المرأة على الطابع البريدي حيزًا كبيرًا. ولاشك أن مشاكل الفقر والجهل والمرض من أوليات الاهتمام البشري. فنحو مليار من البشر يعتبرون الأكثر فقرا في العالم حيث يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد.في حين أن خمس البشرية من الأميين، منهم نحو 60 مليون عربي لا يجدون سبيلهم للمعرفة. وللتعريف بالموروث الحضاري والأثري وإبراز المعالم السياحية يتم إصدار طوابع تحمل صورًا للآثار والمعابد والحصون والقلاع والمساجد والمعالم التي تعد من الشواهد الحية وتسهم في الترويج السياحي لها. ولما كان الطابع البريدي يُعرف بعادات الأمم وتقاليدها الاجتماعية وحضاراتها وأساليب حياتها، مما يساعد على تعميق المحبة والقيم الإنسانية النبيلة والتعارف والتفاهم والتقارب بين الشعوب وتنمية التعاون في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. لذا أولت الدول العربية أهمية خاصة لتلك الطوابع والبطاقة البريدية، في توثيق تاريخها وتراثها وإيصال رسالتها لجميع دول العالم.

هواية جمع الطوابع

تشيع -محليًا وعالميًا- هواية جمع الطوابع البريدية، يتم ترتيبها ضمن حافظات “ألبومات” خاصة، ولا يقتصر جمعها على الشباب فقط، بل تتعدّاهم إلى شرائح من كبار السنّ، والأغنياء والفقراء في آن معًا. إنها “ملكة الهوايات، وهواية الملوك”. فقد شغف بها “جورج الخامس” ملك إنكلترا، و”فرانكلين روزفلت” رئيس الولايات المتحدة، والعديد من المشاهير في شتى أنحاء المعمورة. ويطلق علي جامعي الطوابع “Philatelists”، كلمة يونانية من مقطعين: Philos، وتعني: محبّ/ ولوع، وatelos أي: بلا ضريبة أو مدفوعة الضريبة.

ويعتقد أن هذه الهواية بدأت بعد إصدار أول طابع، وبدأت تسري عبر جمع الطوابع الملصقة على الرسائل التي تصل المرء من مختلف بقاع العالم. بقيت هذه الفكرة هي المصدر التقليدي لهواة حتى يومنا هذا. وهناك بعض الجامعين تهمهم أن يكون الطابع مختوم من دوائر البريد المختلفة، وآخرين يفضلون شرائها من مصدرها غير مستعملة وبدون أختام. وقد تم تخصيص إدارات مستقلة (كما في البريد السعودي) تحت مسمى «إدارة مكتب هواة الطوابع» معنية بالتواصل مع الجمهور من الهواة وغيرهم، بل وتزودهم بأحدث الإصدارات. وصدر أول كتاب مفهرس للطوابع عام 1864م كما تقام لها مؤتمرات ومعارض ومزادات علنية لتبديل وبيع الطوابع البريدية.

ولها صحافة خاصة بها وبأخبارها. لذا فقد تحولت هذه الهواية الى تجارة رائجة، ومزادات رابحة، ولها صحف متخصصة. كما ارتفعت أسعار عدد من الطوابع (النادرة) إلى أرقام خيالية. فقد بيع طابع سويدي نادر صادر في العام 1857م قيمته الأصلية ثلاثة شلنات بمبلغ (2.260. 000) دولار أمريكي. كما أن من اللافت أن أي خطأ في طباعة الطابع يؤدي إلى ارتفاع كبير في سعره، ففي العام 1928م صدر عدد غير قليل من طوابع البريد الجوية، وبها صورة الطائرة مقلوبة، وكانت قيمة هذا الطابع 24 سنتًا إلا أنه للطلب عليه قد بلغ قيمته نحو 6 آلاف دولار.

إن البريد بلغاته المتعددة أداة التواصل الإنساني عبر التاريخ‏، ‏ ولقد نصت “اتفاقية البريد العالمي” على تبادل إصدارات الطوابع بين الدول عن طريق المكتب الدولي، وأن تختار موضوعاتها لتساعد على تعميق التفاهم بين الشعوب، وتوثيق عرى التعاون الدولي. وقد أدركت الدول أهمية طابع البريد ودوره في إيصال أسم/ أفكار/ ثقافة البلد إلى جميع أنحاء المعمورة، فرأت أن تجعل منه وسيلة لتعريف العالم بها، لذا توسعت في إصدار طوابع بريد عادية أو تذكارية تحمل رسومًا وصورًا تمثل آثار البلد وثقافاته، ومعالمه السياحية والدينية والثقافية، ومشاريعه الاقتصادية والعمرانية المتميزة. وهل ثمة ما يخدم “الهوية الثقافية، والسيادة الوطنية، والشهرة العالمية” كالطوابع البريدية؟

صفوة القول: ستبقى لهذه الطوابع البريدية أدوارها الوظيفية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والفنية الخ. كما ستظل تتنوع وتتداخل دلالاتها من العلامة إلي الذاكرة الجمعية، إلى الأرشفة المعرفية، إلى الدعاية الرسمية المحلية والعالمية بأقل كلفة ممكنة. وستظل شكلًا من أشكال “السيادة” الداعم لـ”كينونة” الدولة، و”شخصيتها” الإعتبارية، وسلطتها القائمة، على الرغم من “الثورة” الاتصالية/ التواصلية/ العولمية، التي كرست -برأي كثيرين- لقيام”القرية الكونية”.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  حيوانات استغلت في التجسس


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

الإسلام الدين الممدود في البشرية

الخميس أغسطس 5 , 2021
تمت قراءته: 2٬191 الحمدلله رب العالمين، حمدًا يليق بجماله وكماله وجلاله، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. (الإسلام) وبعد! إن الله قد اختار محمدًا أمينًا ومعلمًا ومبينًا. وأرسله بدين قويم، وهداه بكتاب هو صراط مستقيم، ارتضاه ليكون إمامًا لجميع البشر، وجعل […]
الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة