“الفن السابع” يعالج الجائحات

أدى وجود مئات الملايين من سكان الأرض في منازلهم معظم أوقات اليوم إتباعاٍ لتعليمات الحجر الصحي، إلى إقبال غير مسبوق على مشاهدة الأعمال السينمائية التي عالجت موضوع الجائحات/ الأوبئة. فإذا كان وباء “كورونا” العالمي قد أرغم الجميع على العزل والحجر وحظر التجول وفتكّ بمساحات من الحياة اليومية، فإنّ مواصلة الحياة في هذه الظروف غير ممكنة إلاّ بالفنون وفي لبها السينما” الفن السابع”. وكثيرًا ما عالج “الفن السابع” بمشاركة الخيال العلمي في تجلية أمر الجائحات/ الأوبئة ليستنير الناس بمعالجاتها ولا تأخذهم صعوبة الواقع أي مأخذ. (الفن السابع يعالج الجائحات)

"الفن السابع" يعالج الجائحات
Vanity Fair

فبرغم إنتاجه عام 2011. إلا أنه يعتبر أحد أفضل وأهم الأفلام (الواقعية) التي تطرقت لتفشي الجائحات، وهناك تشابه كبير بين أحداثه وما يحدث من انتشار فيروس “كورونا المستجد” COVID-19. وتدور أحداث فيلم “كونتاجين/ ُعدوى” Contagion (2011) للمخرج “ستيفن سودربيرغ” بشاشة سوداء، مع صوت سعال شديد مصدره سيدة الأعمال الأميركية “بيث إيمهوف” (غوينيث بالترو). كما يبدأ الشريط من اليوم الثاني وليس الأول. إنها في طريق عودتها من “هونغ كونغ” بعد رحلة عمل. ولديها توقُّف في شيكاغو، تستغله – بوجه ينضح بالحمّى – في قضم بعض حبّات الفول السوداني في المطار. بعد أن تدفع الحساب وتتجه إلى البوابة، تبقى الكاميرا، لبضع ثوان، على كل شيء لمسته: المكسّرات في الوعاء المخصص لجميع المسافرين، بطاقتها الائتمانية، التي أعطتها للنادلة، والتي بدورها تستخدم شاشة تعمل باللمس لتسجيل مدفوعات الزبائن. ويغرس الفيروس في كل مكان، ثم بعد عشر دقائق من الفيلم، ترقد “غوينيث” على طاولة تشريح المتوفين.

(الفن السابع يعالج الجائحات)

إقرأ أيضاً:  قصر الأمير "محمد علي" بالمنيل: تحفة معمارية باهرة

مساحة إعلانية


وينتشر الفيروس ـ بشكل مخيف ـ في العالم، وتظهر وفيات لكثيرين من جنسيات مختلفة. ورصد العمل طرق انتشار الفيروس سواء في المواصلات العامة/ المطار/ الطائرات/ أزرار المصعد، أو التلامس. كما يشرح طرق الوقاية وعدم ملامسة الوجه/ مقابض الأبواب/ نوافير المياه أو حتى السلام بالأيدي. ويجب غلق حدود بعض الدول/ غلق المدارس/ والصالات الرياضية/ المقاهي/ دور العبادة، وعدم التنقل بين المحافظات/ عدم النزول إلى الشوارع/ العمل لتجنب الزحام. ومع زيادة المصابين والوفيات. بدأ الناس في تخزين من يحتاجونه من مواد غذائية. ولزم الجميع بيته. وسارع المختصون لإنتاج لقاح يقاوم الفيروس، وتم تجربته على القردة أولًا، ولكن حتى يتم إنتاجه وتوزيعه على البشر سيستغرق ذلك شهورًا.

ثم خرج المسؤولون ليشكروا الأطباء ويقوموا بتوزيع اللقاح وفقًا لتواريخ ميلاد المواطنين بعد سحب القرعة. وفي المشهد الأخير من العمل الذي يرصد «اليوم الأول»، كشف الفيلم من أين أتى الفيروس: يجفل خفّاش من الآلات في أحد مواقع البناء، فتسقط من فمه قطعة موز، يأكلها خنزير صغير في مزرعة ملحقة بمصنع لحوم، والذي بدوره سيطهوه طبّاخ صيني لا يغسل يديه قبل مصافحته “غوينيث بالترو” والتقاط صورة معها في مطعمه. وعلي الجانب الآخر، زوجها الشجاع، المواطن الأميركي المثالي، كما يجسّده “مات دامون”؛ ينجو، لأنه حافظ، حتى النهاية، على روابطه الأسرية وكل ما تمثّله العائلة كفكرة أميركية جليلة يجدر الحفاظ عليها. تم إنتاج هذا العمل – الذي عالج ببراعة مزيج من مشاعر الحب والخيانة والخوف – في الإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة. كما استعان فريق العمل بخبراء في الصحة العامة وممثلين عن منظمة الصحة العالمية مختصين بجائحات سابقة.

لم يكن فيلم (كونتاجين/ ُعدوى) وحده على رأس قوائم التحميل والمشاهدة على شبكة الإنترنت. وبل شاركه عمل فني آخر هو”الوباء/ أوت بريك Outbreak” (1995) للمخرج “فولفغانغ بيترسن” الذي شاهده أيضاُ عدة مئات الملايين من المتفرجين في أنحاء متفرقة من العالم. وتدور أحداثه حول كفاح أطباء في الجيش الأمريكي من أجل الوصول إلى علاج لفيروس قاتل بدأ انتشاره في مدينة كاليفورنيا. وقد انتقل الفيروس إلى الولاية الأمريكية عبر قرد أفريقي (ربما كجزء من حرب بيولوجية)، وأسفر عن مقتل العشرات، وتلقي مهمة الإنقاذ على كاهل “داستن هوفمان”، و”رينيه روسو”، كعالمي فيروسات وزوجين سابقين. ويتمكن أطباء الجيش من الوصول إلى القرد وإنتاج لقاح أدى لشفاء المصابين.

وتعود المشكلة إلي أنه فوق مخيم عسكري في أفريقيا، حيث أُختبر الفيروس للمرة الأولى، يُسقط الجيش قنبلة لمحو آثار تجاربه السرّية. لكن، تقفز ثلاثة قرود سوداء وبيضاء من بين الأشجار المحترقة إلى بر الأمان. بعد ثلاثين عامًا، يصل الفيروس القديم إلى بلدة صغيرة وديعة في كاليفورنيا، عبر قرد مُهرَّب. ليؤكد العمل علي تحوّل خطيئة إنتاج الأسلحة البيولوجية وارتداها إلى صدور صانعيها أنفسهم.

الفيلمان السابقان، ليسا بدعًا من الأمر

إلى جانب الفيلمين السابقين. عالجت أعمال سينمائية أخرى نفس الموضوع، ولاقت مقارباتها رواجًا كبيرًا، لما فيها من إثارة وجاذبية تروي شغف كثيرين. ولقد تعددت سيناريوهات “الفن السابع” في تنويرها بـ”الجائحات القاتلة، والتحولات الفتاكة”. وغدت أحد تيمات رئيسة ومتطورة، وبخاصة نهاية القرن العشرين، لشيوع نبوءات عن نهاية العالم بنهايته. كذلك رغم التقدم الكبير في فضاء الطب، بقيت وتيرة تحور الفيروسات والأوبئة متسارعة ومثلت تحديًا كبيرًا لوجود البشر. وبدأت “هوليوود” في إنتاج هذه الأعمال منذ عام 1950 حيث تم إنتاج أربعة أعمال، ثم وتزايد الإنتاج تصاعديًا حتى وصل لأكثر من ستين مع دخول الألفية الثالثة.

وكان لرواية “أنا أسطورة” I’m a legend (1954) للكاتب الأمريكي “ريتشارد ماثيسون” أثرًا كبيرا ً في تطوير ميثولوجيا وأدب “الموتي الأحياء” (الزومبي Zombie) وتعميم مفهوم “نهاية العالم” بسبب الأوبئة والأمراض. اشتهرت الرواية، وتم اقتباسها في أفلام مثل “آخر رجل على الأرض”(1964)،”ليلة الأموات الأحياء” (1968)، و”رجل أوميغا” (1971)، و”أنا أسطورة” (2007). بالإضافة إلى فيلم فيديو “أنا أوميغا” (2007). وكذلك وظفت الرواية في شريط “I’m a legend” (2007) من بطولة “ويل سميث”، و”أليس براجا”، و”تشارلي طحان” وإخراج”فرانسيس لورانس”. وتدور الأحداث حول انتشار فيروس خطير (عام 2009) يقتل 90% من مصابيه، ويهاجم (9%) ويبقى واحد بالمائة لديهم مناعة.

لكن المصاب يتحول إلى مسخ بشري مرعب يعيش في الأماكن المظلمة. وأقدم البعض على الانتحار نتيجة العزلة التي عانوا منها. ويبقى اختصاصي الفيروسات “روبرت نيفيل” الوحيد غير المصاب بالفيروس الموجود في مدينة نيويورك وربما في العالم كله. ومع حلول عام 2012 اكتشف “روبرت” من خلال برامج إخبارية ووثائقية قديمة أن الفيروس القاتل تم إنتاجه من التعديل في الخصائص الوراثية لفيروس الحصبة من أجل استخدامه في علاج السرطان. ويضطر لخوض المواجهة ليحصل على لقاح يعالج النسبة القليلة الباقية من البشر. قبل أن يضطر إلى التضحية بنفسه لإنقاذ العقار الذي استطاع أن يكتشفه ويضمن وصوله إلى المصابين. واحتل هذا الفيلم المرتبة السابعة كأعلى إيرادات عام 2007، حيث حقق أرباح مجموعها 585 مليون دولار.

(الفن السابع يعالج الجائحات)

إقرأ أيضاً:  فن الكاريكاتور

مساحة إعلانية


وتناول فيلم “سلالة” أندروميدا (The Andromeda Strain) (1971) لـ”روبرت وايز” المأخوذ عن رواية “مايكل كريشتون” فكرة ظهور وباء مميت وباء على الأرض من الفضاء. ويستعرض العمل رحلة فريق بحثي من كبار العلماء بهدف كشف الغموض المحيط بوفاة عدد كبير من المواطنين في إحدى البلدات الصغيرة. ويحاولون اكتشاف كيفية إيقاف تلك العدوى قبل تفاقم الوضع بانتقال الفيروس المميت إلى المدن المجاورة. والعمل من بطولة “أرثر هيل” الذي يؤدي دور الدكتور “جيرمي ستون”، المكلف باستعادة قمر صناعي. وبعد وصوله إلى المنطقة، اكتشفوا كائنًا فضائيًا يمكنه قتل الحياة الحيوانية في ثوان معدودة. ونال الفيلم الذي عد مثالًا كلاسيكيًا على أفلام الخيال العلمي في السبعينيات، استحسانًا بسبب مقاربته السريرية لكارثة مميتة.

ومن الأفلام الباكرة للمخرج “لارس فون ترير” فيلم الوباء (Epidemic) (1987) وهو الفيلم الثاني في ثلاثية أوروبا. وفيه تتخذ الحبكة منحنى أكثر ميتافيزيقية تجاه الأوبئة الفيروسية. تتداخل فيها حبكتان: الأولى قصة كاتب سيناريو يكتب قصة عن وباء، والثانية هي القصة نفسها التي تتشابك مع الحبكة الرئيسة. هذا فيلم تجريبي بالأبيض والأسود يلعب دور البطولة فيه المخرج نفسه “لارس فون ترير”، ويؤدي دور كاتب السيناريو الدكتور “ميسمر”، الطبيب الذي يحاول مساعدة المصابين.

بينما قص فيلم “12 قردًا” Twelve Monkeys (1995) حكاية تعرض الأرض – عام 1996-1997 – لفيروس خطير يقتل البشر، مما جعلهم يختبئون تحت الأرض لتجنب الوباء. ويقوم العلماء بإعطاء المجرم السجين “جيمس كول” فرصة لتخفيف مدة حكمه. وذلك بإرساله إلى الماضي لمعرفة خطة المنظمة الإرهابية “جيش 12 قرداُ”. والحصول على عينة أولية من الحمض النووي للفيروس ليتمكنوا من عمل عقار مضاد له. يخطئ “كول” ويعود لعام 1990 قبل ست سنوات من ظهور الفيروس. أما فيلم “الوباء” Outbreak (1995) من إخراج “بيترسن”، فيسرد تجربة قاسية مشابهة لتجربة مكافحة فيروس كورونا المستجد حاليًا، حيث ظل أبطال الفيلم يبذلون قصارى جهدهم بغية الحيلولة دون انتشار أحد الفيروسات المميتة.

معالجات سينما الألفية الثالثة – الفن السابع يعالج الجائحات

أنتجت فرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية شريط “الشر المقيم” Resident Evil (2002) تأليف وإخراج “بول كان اندرسون”، وبطولة “ميلا جوفوفيتش”، و”ميشيل رودريغيز”. وصدرت سلسلة العاب “الشر المقيم” من قبل كابكوم. وتسرد القصة سرعة تفشي فيروس خطير (بعد خطأ في احتوائه) في مدينة “الراكون” الأمريكية، وعبر العالم. ويتسبب في ارتفاع عدد الوفيات الذين يتحولون لموتي أحياء يأكلون البشر. مما يتسبب في تحول البشر إلى موتى أحياء.

أما الشريط البريطاني “بعد 28 يومًا” Days Later 28 (2002) لداني بويل، وبطولة “سيليان ميرفي”، و”ناعومي هاريس”. ويسرد قصة الشمبانزي كحيوانات تجارب. حيث تُحبس داخل أقفاص ويُعرض عليها لقطات عنيفة مرعبة. وفجأة، يقتحم المكان ناشطون مدافعون عن حقوق الحيوانات، فيقومون بإطلاق سراحها. لكن ما لا يعلمونه أن الشمبانزي تحمل فيروسًا خطرًا (فيروس الغضب) ينقل عدوى للإنسان. فتهاجم القردة الناشطين وتبدأ عوارض غريبة بالظهور عليهم خلال نصف دقيقة. وبعـد 28 يومًا من الحادثة، يستيقظ ساعي البريد جيم (سيليان ميرفي) من غيبوبته في مشفى مهجور، ويجد مدينة “لندن”، وغيرها خالية من أي مظهر للحياة. ويفاجئ بمهاجمة أناس لوثهم الفيروس. ويهتم العمل بمرحلة ما بعد الكارثة، وكيفية النجاة. وبعد نجاح الفيلم تم إصدار جزء ثاني واسمه “بعد 28 أسبوعًا” وقصة اسمها “بعد 28 يومًا: ما حدث لاحقا” ثم مجموعة مجلات مصورة.

وفي “العمى” Blindness (2008) هو فيلم كندي، بطولة “جوليان مور”، و”مارك روفالو”. يتفشى وباء غامض يتسبب في إصابة الناس بالعمى. وتجتاح ظاهرة العمى بشكل رهيب البرازيل (مدينة ساو باولو). وتنطلق أحداثه في محاولة الحكومة السيطرة على الأوضاع من خلال جمع المصابين في مكان واحد وفرض الحجر الصحي عليهم. ومن ثم تدعي إحدى النساء إصابتها بالعمى حتى تكون قريبة من زوجها الذي تعرض للعدوى ويحاول الأطباء فهم وتشخيص وعلاج هذه الظاهرة الفيروسية الخطيرة، ومن ثم تتوالى الأحداث.

عمل مشحون الأمل في الخلاص. بينما عالج فيلم “الحجر” Quarantine 2008 تطبيق قواعد الحجر الصحي على قاطني مبنى سكني أصيبوا بعدوى غريبة تحولهم إلى كائنات عدوانية ومن ثم تتوالى الأحداث في إثارة وتشويق. أما شريط The Bay (2012) لـ “باري ليفنسون”، فتناول سيناريو ظهور فيروس مصدره البحر وأصاب سكان إحدى البلدات الصغيرة بولاية ماريلاند.بينما عالج فيلم) Deranged 2012). تدور أحداثه في تفشي وباء غامض يتسبب في مقتل المئات خلال أيام قليلة. ويحاول شرطي السيطرة على الأوضاع المنفلتة وكشف السر وراء تفشي ذلك الوباء الغامض، بينما يسعى شقيقه للبحث عن دواء للمرض المميت الذي بدأت أعراضه في الظهور على زوجته وأطفاله.

(الفن السابع يعالج الجائحات)

إقرأ أيضاً:  تاريخ تطور السيناريو

مساحة إعلانية


وسرد فيلم Flu (2013) أحداث الفيلم في أحد ضواحي العاصمة الكورية الجنوبية “سول”، حيث انتشر وباء جديد يصيب الجهاز التنفسي، ويتسبب في وفاة الشخص المصاب به خلال 36 ساعة. ويكافح سكان المدينة للنجاة من أسوأ وباء أصاب مدينتهم على الإطلاق. ويسابق رجل إطفاء وطبيبة الوقت للعثور على علاج. واستنادًا لرواية تحمل نفس الاسم للمؤلف “ماكس بروكس” تناول فيلم “حرب الزومبي العالمية” World War Z (2013) لمارك فورستر، وبطولة “براد بيت” في دور “جيري لين” الموظف المتقاعد لدى الأمم المتحدة الذي يجب عليه السفر حول العالم لإيقاف وباء الزومبي (الأموات الأحياء) الذين ينجذبون إلى الصوت.

فيترك زوجته وابنته في مكان آمن على متن سفينة في البحر، ويبدأ رحلة البحث. وتكمن طريقة النجاة في منع انتقال العدوى، ونسيان أحبائك الذين تحولوا إلى زومبي. وتلقى هذا العمل مراجعات جيدة لأداء “براد بيت” وإعادة إحياء تيمة الزومبي بشكل غير مكرر أو ممل. وتقع أحداث فيلم “القلب الطبيعي” The Normal Heart (2014) في مدينة نيويورك بأوائل الثمانينات، ويسلط الضوء على أزمة ظهور فيروس مرض نقص المناعة المكتسبة “الإيدز” وبدء انتشاره بين السكان وتزداد الأوضاع سوءًا بسبب الأشخاص المعنيين بمواجهة ذلك الخطر وانشغالهم بخلافاتهم مما يهدد بتفاقم الأزمة وانتشار المرض على نطاق أوسع.

أما شريط “قطار إلى بوسان” Train to Busan‏ فهو فيلم كوري جنوبي أنتج في صيف عام 2016 في كوريا الجنوبية. وقد حطم الأرقام القياسية في نسب الحضور حين عرض في السينما ليس في كوريا الجنوبية وحدها ولكن على مستوى البلاد الآسيوية، حيث اقترب من عشرة ملايين مشاهدة في الأسبوع الأول، كما عرض في مهرجان كان السينمائي ضمن عروض منتصف الليل. وملخص قصته: يعمل “سيوك وو” المدير المالي الكبير في العاصمة سيؤول. وانفصل عن زوجته، ويعيش مع والدته وابنته “سو آن” ذات الثمانية أعوام. وعمله هو كل ما يفكر فيه ويشغل أغلب وقته، حتى أنّه يفوت على نفسه لحظات كثيرة يقضيها مع ابنته كحضور أي فاعلية لها في مدرستها.

وفي ليلة عيد ميلادها الثامن تصر على الذهاب إلى والدتها في “بوسان” حتى لو بمفردها. وتحت ضغط وإلحاح ابنته يستجيب أخيرًا ويذهب معها. ولكن قبل انطلاق القطار. يتم اقتحامه من فتاة مصابة بجرح كبير في قدمها، يتضح بعد هذا أنّها مصابة بفيروس اجتاح البلاد جعلها من الموتى الأحياء “زومبي”. وتبدأ الفتاة بنشر الفيروس عن طريق عض مضيفة القطار لينتشر الوباء بعد هذا في القطار كالنار في الهشيم. وعلى الركاب الكفاح للنجاة بحياتهم لحين الوصول إلى “بوسان” التي يتضح أنّها البقعة الوحيدة الآمنة، والتي لم يصل لها هذا الوباء بعد.

في الختام: أنتجت السينما العالمية ما يزيد عن 400 فيلم عن نهايات العالم بسبب الجائحات والأوبئة والحروب البيولوجية. ولا تجرّد أفلام الجائحات، الأوبئة مصابيها من إنسانيتهم، بل تدفع سردياتها دومًا للاستثمار في الإمكانات الإنسانية لمن أوقعتهم أقدارهم في خانة ضحايا الوباء. ولعل السبب وراء ارتفاع الطلب على هذه الأفلام، ليس فقط بسبب التوق لراحة تأتي من أن “الجحيم الحقيقي هو أن يظن المرء نفسه وحيدا في الجحيم”. كذلك الاطمئنان بمتابعة إجراءات الإنقاذ وجهود المواجهة، الحاضرة والمكللة بالنجاح دومًا في المخيال السينمائي. وليس فقط بسبب الخوف، ورعب الواقع بعد تبين أسبابه من تلك السيناريوهات الفنية العلمية. ولعل حين تحديق الناس للعمل السينمائي، من أريكتهم المنزلية، أمر مريح.

فالتحديق في الكارثة يهوِّن من المهمة الصعبة المتمثلة في العمل اللازم لمواجهتها. كما يعمل كـ”منبّه” للمخاطر المحدقة بالبشرية جرّاء سلوكياتها، وتجسيدها بصريًا لتسهيل الإحساس بها، وبالتالي تنشيط وعي المشاهدين وحثّهم على إتباع عادات صحية وشخصية وبيئة واجتماعية سليمة. وفي انتظار استعادة العالم لعافيته تبقى الفنون وفي لبها ” الفن السابع” فسحة يمكنها فكّ عزلتنا ومصاحبتنا في هذا العبور نحو ضفّة أخرى. مع كسر جدران الحصار التي يفرضها شبح الوباء، فلنحافظ على محبّتنا للحياة عبر مواصلة الحياة “الرمزية” التي تمنحها لنا الفنون بأنواعها.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

(الفن السابع يعالج الجائحات)

إقرأ أيضاً:  السينما السودانية


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


(الفن السابع يعالج الجائحات)

⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

رواية السيرة الذاتية بين استيعاب الواقع والتعبير عن التأزمات الذاتية

الأثنين سبتمبر 27 , 2021
تمت قراءته: 1٬613 شهد القرن الماضي تحولات غيرت المفاهيم، والمبادئ، وأحدثت شرخًا في حياة الفرد جعلته في صراع دائم مع واقعه، ومع ذاته التي تاهت وسط كل هذا التحول واستغرقت فيه، ولما كانت الرواية الجنس الذي لا يستقر على عود ولا يهدأ عن طرح التساؤلات نحو طريق الصيرورة والبحث الدائم […]
الكتابة الذاتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة