القـُبقاب: عصي على الاندثار

رغم “المنافسات البلاستيكية الشرسة” لا يزال يدافع عن وجوده. تجده عند أبواب حمامات عدد من المساجد والزوايا، والحمامات العامة بالمدن العتيقة، وتتناثر ورش صناعته في الأزقة والحارات القديمة. تحكي حكايته مؤكدة علي أنه “عصي علي الاندثار علي مر العصور، وتنوع الأمصار”. (القبقاب)

القبقاب
FajerTV

“القُبقاب”: نَّعْلُ من خشب، وشِرَاكُها من جلد أَو نحوه. رخيص الثمن، مانع للانزلاق، مرتفع عن الأرض، ينأى بالثوب عن البلل والأوساخ. كما لا يوجد فيه يُمنى ويُسرى، فتصلح أي واحدة منهما لتنتعل في أي قدم. ولو فُقدت/ عطبت “إحداها” يتم شراء واحدة فقط، وليس زوجًا جديدًا! وهو “صديق للبيئة” فخشبه يدور في الطبيعة بعد استهلاكه، مريحٌ للقدمين، ولا يتأثر بالحرارة أو البرودة. وتُنتعل القباقيب داخل البيوت خاصةً للسيدات، وفي الأسواق والحارات. وعند الوضوء في المساجد، كما ينتعله الرجال اتقاءً للوحل أيام الشتاء، يقول “أبو الحسن الجزار“:

جبتي في الأمطار جلدي ولُبَّا              دي ثوبي، وبغلتي قبقابي

وعبر العالم. كثيرًا ما يستعمل -مع بعض التنوع في أشكاله- عند سكان المناطق المنخفضة لحفظ القدمين من الرطوبة، وتدفئتها. فينتعلونه داخل بيوتهم في معظم مناطق هولندا (يسمي كلوج)، وفرنسا، وبلجيكا، وسيبيريا الخ. وقديمًا. . لبسه الجميع (كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء)، وكان يشير إلى وضع اجتماعي معين. وكان الناس يصعدون به الجبال، ويسافرون به مشيًا. وحكي “أبو شامة” عن الشيخ “أبي عمر شيخ الصالحية والمقادسة”، (توفي 607هـ/1210م): “أنَّه كان يصعد يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدم، بجبل قاسيون، ماشيًا بالقبقاب. فيُصلِّي فيها ما بين الظهر والعصر، ولم يُنظر إلى قبقابه على أنه أمر مستغرب”.

وعمومًا. تنشط حركة بيع القبقاب (في مصر، وغيرها) قبيل شهر رمضان وقبيل ذكرى المولد النبوي. حيث يٌقبل علي شرائه أهل الخير للتصدق به على المساجد والزوايا. كونه “مُعمرًا” يطول بقائه عن نظيره الجلدي أو البلاستيكي. وعلى جانب آخر. هناك عدد من الناس يشترونه لاستخدامه في المنازل المستقلة (وليس العمارات الحديثة التي قد لا تسمح بالجلبة بين طوابقها).

أصول صنعته، وأنواعه

يستعمل في صناعة القبقاب خشب الجوز، والمشمش، والتوت، والصفصاف، والزان، والحور. وكان الحرفيون ينحتون النعال بأيديهم إلى أن ظهرت بعض الآلات التي سهلت عليهم هذه المهمة. حيث يقطع الخشب شرائح متنوعة حسب مقاسات القدم. ثم تزال الزوائد الخارجية من الجانبين، ثم النشر وإزالة الزوائد الأمامية والخلفية. وتأتي عملية “التقدير” بتشكيل كعب القبقاب. أما “التنعيم” فهو حفُّ القبقاب تمهيدًا لطلبه. وأخيرًا يركب “شراك/ سيّر القبقاب” وهو قطعة من الجلد تثبت على مقدمته بمسامير خاصة “مسامير قباقبية”. ويكون السيَّر بألوان مختلفة وأحيانًا يُطعم بالصدف والعظم، وتُمَدُّ فيه أسلاك من القصدير، أو الرصاص.

ويتميز القبقاب “النسوي” بكعبه العالي، وألوانه المتنوعة. كما انفرد الأغنياء باتخاذ القبقاب من الذهب المرصَّع بالجواهر. ذكر “المقريزي” في كلامه عن الملك “الناصر محمد بن قلاوون”: “استجدَّ النساء في أيامه القباقيب الذهب المرصعة بالجواهر، وبيع في تركة الأمير “علاء الدين اقبغا عبد الواحد” قبقاب وسرموزة وخف نسائي بمبلغ خمسة وسبعين ألف درهم فضة، عنها زيادة على ثلاثة آلاف دينار مصرية”. وفي عام 774هـ/1372م، قدَّم الأمير “منجك” نائب الشام إلى مصر، وكان في جملة هديته للسلطان “ثلاثة قباقيب نسائية من الذهب فيها اثنان مرصعان بالجوهر قيمتها مئة وخمسون ألف درهم، عنها نحو ثمانية آلاف مثقال من الذهب”.

وقد اعتبرت “دمشق” من أشهر المدن التي عُرفت بصناعة القبقاب. وكان لها سوق وراء الجدار القبلي للجامع الأموي، يعرف بسوق “القباقبية”. ومنه كانت تُحمل القباقيب، ومصنوعات خشبية ضمن مقتنيات العروس التقليدية (جرن، ومدَّقْ هاون الكبة، وهاون الثوم، والملاعق الخشبية، وقوالب المعمول، وعلاقات الصحون الخشبية وكراسي الحمام، والقش بأنواعها، والنمليَّة ذات المنخل لحفظ الطعام من الحشرات) إلى مصر، وبيروت، وإستانبول الخ. وبرغم وجود الحرفيين المهرة بهذه المدن، إلا أنَّهم ليسوا بحرفية ومهارة الدمشقيين. وتقع ورش لصناعته في مصر بمناطق الغورية، وتحت الربع، وباب زويلة، والدرب الأحمر الخ.

وللقباقيب الدمشقية أشكال ومسميات، ولم يحفظ من أسمائها القديمة إلاَّ “الزحاف/ الزحافي”. ويعتبر من أكثر الأنواع رواجًا لرخصه، وسهولة المشي، والجري به. وذكره “المقريزي” عند المجادلة الكلامية بين قاضي القضاة “زين الدين التفهي الحنفي”مع”الميموني” (المحكوم عليه بسفك دمه). ويقول “الميموني”للقاضي:”اتق الله يا عبد الرحمن، أنسيت قبقابك الزحَّاف وعُميَّمتكَ القطن”.

وهناك “قبقاب سجك” الذي يلتصق قدمه بالأرض، ويرتفع كعبه بطول ثلاثة قراريط. وقد أشار إليه “ابن إياس” في وفاة القاضي “محيي الدين بن النقيب” بمصر 922 هـ/1516م: “وكان سبب موته أنه كان يمشي في الأسواق بقبقاب سجك فتوجه إلى خان الخليلي فرفسه فرس فوقع على فخذه، فأنكسر. فحَملوه إلى خلوته التي في المدرسة المنصورية، فأقام بها أيامًا ثمَّ مات”. أما القبقاب “الشبراوي” فسُمي بهذا الاسم لارتفاعه شبرًا. وهو قبقاب نسائي استخدمته المرأة الدمشقية. ويكون خشبه مصدفًا، وسيره مطرزًا بخطوط الفضة.

وهناك “العكاوي” وهو دون “الشبراوي” علوًا. ولا يُدرى سبب تسميته بهذا الاسم، هل لانتشار انتعاله بين أهل عكا، أم كان يُصنع قبلها في مدينتهم “عكا”؟ وهناك القبقاب “الجركسي/ المهاجرين”. وجاءت تسميته لقيام بعض الحرفيين من المهاجرين والجراكسة (الذين قِدموا دمشق) بالتفرد بصناعَتِهْ. وهو أقل الأشكال ارتفاعًا، وألصقها بالأرض، وأرخصها ثمنًا. أما قبقاب “الكندرة”، ويشبه قبقاب “الجراكسة”. إلا أنَّ له مقدمة ومؤخرة بطول “أربعة قراريط” لاصقة بالقبقاب. وتنزل في تجويفين من مقدم سطحه ومؤخرته. وتصنع خاصةً لحمامات دمشق، وقد يلبسه، أيضًا، الفقراء والموسرون اتقاءً لأوحال الشتاء.

ومن ضمن الأشكال. القبقاب “نصف كرسي”. وقد يصل ارتفاعه إلى نصف ذراع. ويلبسه من كان محبًَّا للظهور، أو يرغب في تطويل قامته القصيرة: “وقد صُنع للحسام أفوش، مؤذن الجامع الأموي، قبقابًا عالٍيًا جدًا ليرفعه عن الأرض، فاعتاد أن يطلع به جريًا على سلالم كلِّ مئذنةٍ”.

ويحكي فيلم “صانع القباقيب” (1928) “لأمين عطا الله” قصة صانع القباقيب الذي يحب السيدة الأجنبية (الممثلة الإيطالية “إبريز استاتي”) المعجبة بتلك الأحذية الخشبية الرائعة. وحديثًا. تلقّت صناعة القباقيب دعمًا من الدراما التلفزيونية السورية. فذكّرت المشاهدين بالمكانة التي احتلها القبقاب في حياة السكان في القرن الماضي، وباستخدامه على نطاق واسع في ذلك الحين. ‏ ويشكر صانعو القباقيب “لدريد لحام” الممثل السوري، أنه أعاد الاعتبار للقبقاب بأسلوبه الفكاهي المحبب، حيث جعل من لبسه جزءًا من شخصية (غوار الطوشة) التي تقمّصها في مسرحياته وأعماله السينمائية، ومسلسلاته التلفزيونية. ‏ ومن الأمثال الشعبية التي تذكر القبقاب، المثل السوري: “لفّ السير على القبقاب. صاروا الأعداء حباب”، ويضرب في التئام شمل المتخاصمين، علي عكس: “الجار يللى بيقروش بالقبقاب بيخانق جاره”.

إقرأ أيضاً:  كرنفالات الشعوب.. مَباهج ثقافية

مساحة إعلانية


وله مآرب أخرى – القبقاب

للقبقاب “رنة” تٌسمع عندما تضرب الأرض جيئة وذهابًا للوضوء استعدادًا للصلاة. وهي تٌعتبر وسيلة لتنبيه الإمام أن ثمة مأموم بالحمام على وشك اللحاق بالجماعة. وهي”جرس تنبيه” وبالتالي تصعب سرقته. كما يُطرب لسماعها، وبخاصة لو كانت تنتعله أنثي أو غادة حسناء يُرجي الاقتران بها. وحُكي عن أحد لاعبي السيرك الذي حضر لدمشق من حلب 924هـ/1518م حيث: “نصبَ في بركة القرع بالحسينية صواري وحبالًا، وكان يوم جمعة. فلما صعد على الحبال، أظهر فنونًا غريبة منها أنه مشى على الحبال، وفي رجله قبقاب، وتحته ألواح الصابون”. لكن، علي جانب آخر، كان قاضي الحنفية بمصر “برهان الدين إبراهيم الكركي” (922هـ – 1516م) “على بركة الفيل على سُلَّم القيطون ليتوضأ، وفي رجله قبقاب، فزلقت رجله فوقع في البركة، وكانت في قوة ملئها أيام النيل ولم يتفق له أحد يسعفه فاستبطئوه وطلبوه فوجدوا عمامته عائمة وفردة القبقاب على السُلَّم”.

وفي عام 655 هـ/1257م توفي السلطان المعزُّ “أيبك” التركماني، وكان قد تزوَّجَ بشجرة الدر حظيَّةِ معلِّمِهِ الملك “الصالح”. ثم خطب ابنة صاحب الموصل. ولما تحققت “شجرة الدر” من هذا الزواج. أغرت به الخُدَّام في الحمام، وجعلت الجواري تركله وشجرة الدر تضربه بالقبقاب إلى أن مات ثم حكم بعد مدة ابنه الملك المنصور “نور الدين عليّ” فُحملت شجرة الدر إلى أمه، فضربها الجواري بالقباقيب إلى أن ماتت. وفي عام 857هـ/1453م “دخل رجل من العوام جامع الأزهر، فأمسكه المجاورون برواق الأرياف وذكروا أنَّه أخذ لهم قبقابًا، وتكاثروا عليه وضربوه حتى مات”. كما شكل القبقاب أداة من أدوات التعزير والعقوبات. فكان يُعلّق في عنق المُشهَّر بهم: “عُزّر شخص عام 853هـ/1449م وطيف به على حمار، وفي عنقه قبقاب”. وفي هذا المضمار وضع “أمين الدين الدمشقي الصالحي الهلالي” (توفي 1595ـ1596م)، شعرًا في هجاء “بني الخطاب” الذين كانوا قضاة المالكية في دمشق سماه “قرع القبقاب في قرعه بني الخطاب”، وفيه كل كلمة عجيبة، وكل مسبَّة غريبة.

في الختام: (القبقاب)

رغم التحديات الكثيرة، ومنافسة النعال الجلدية والبلاستيكية. يحاول صانعوا القباقيب تطويعها لمتطلبات الحياة العصرية. فيضعون لها طبقة من المطاط في أسفلها لتخفيف من حدة صوتها. كما يغلّفونها بمواد تقلل امتصاصها للماء لإطالة عمرها وحمايتها من التفسخ. فضلًا عن تلوينها وزركشتها لجذب زبائن. ‏ ولكي يستمر استعمالها، لفوائدها المتعددة، ولا تندثر.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  "الماتريوشكا".. الدمية الفولكلورية لبلاد الثلج


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

كيف ننظف ذاكرة اللاوعي؟؟؟

الخميس يوليو 29 , 2021
تمت قراءته: 2٬446 ذاكرتنا من ذاكرة الكون إن أردت أن تشرب ماءً، فإنك تأتي بكأس فارغ نظيف وتملأه بالماء ومن ثم تشرب. ولا تستطيع شرب ماء لتشفي عطشك بكأس مليئة بزيت عكر. هكذا النفس عندنا تَعَكر زيتها ومزاجها وصفائها، فما الحل؟ كيف ننظف ذاكرة اللاوعي؟ الآن وبعد تداول الأمم وتداول […]
كيف ننظف ذاكرة اللاوعي؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة