المازوخية الغذائية: “هوس” الفلفل الحار

“المازوخية” أو “المازوكية” Masochism: “تلذذ بإيذاء النفس. جسديًا، أو نفسيًا، أو كليهما”. وقد اشتق المصطلح من اسم الروائي النمساوي “ليوبولد فون زاخر مازوخ” (1836-1895) عندما كتب روايته (فينوس في الفراء Venus in furs) التي يتسم فيها أبطالها “بالتلذذ بتعذيب أنفسهم”. لكن لماذا يتلذذ أناس بأكل الفلفل الحار؟ أهو نوع من المازوخية الغذائية، أم أن تذوقه تجربة “ماتعة” تستحق المغامرة؟

الفلفل الحار
Patch

الفلفل هو ثمار نبات الفليفلة Capsicum plant (عائلة الباذنجانيات Nightshade). واشتق اسمه من الكلمة اليونانية “كابتو” وتعني:”يبتلع/ يقضم”. وعبر العالم. تتعدد مسمياته، ومنها: “الفلفل الحار” / الفلفل التشيلي، و”البابريكا” (يطلق نفس الاسم على توابل مطحونة من أنواع فليفلة مجففة). أما الفلفل الكبير والمتوسط فهو: الفلفل الأحمر/ الأخضر/ الأصفر/البرتقالي/ الحلو (في شمال أمريكا والمملكة المتحدة). أما في نيوزيلندا، واستراليا، وسنغافورة، والهند فيدعى “الفليفلة”.

واستخدمت هذه التسمية الأخيرة بسبب طعمه المشابه لبهار “الفلفل الأسود” (Piper nigrum)، بالرغم من عدم وجود علاقة نباتية بينهما أو مع “فلفل سيشوان” (Sichuan pepper). ويزرع الفلفل في جميع أنحاء العالم، ومن أنواعه: الفُلَيفُلَة الدَغْلِيَّة الطَّويلة (Cayenne peppers)، وموطنها الأصليّ أمريكا الوسطى والجنوبية. وتمّ جلب الفلفل -مع الكاكاو، والبطاطس، والبطاطا، والتبغ، والذرة، والفاصوليا- إلى أوروبا منذ القرن الخامس عشر مع اكتشاف الأمريكيتين، ومن المستعمرات الإسبانية الفلبينية. بينما نقل البرتغاليون قدراتهم بهذا المجال إلى مناطق نفوذهم الإفريقية والآسيوية مثل الهند.

أنواع عدة – الفلفل الحار

تتباين أنواع الفلفل (هناك 20- 27 نوعاُ، خمس منها مدجنات) حسب الشكل، والحجم، واللون، ومكان زراعته، وشدّة طعمه الحار اللاذع. حيث يعتمد طعمه الحار على نسبة محتواه من مادة “كابسيسين” (Capsaicin) (ميثيل فنيليل نونيناميد). وهي مادة كيميائية محبة للدهون تعطي طعم لاذع عند تذوقه من قبل الأشخاص غير المعتادين على طعمه. وتتوفر هذه المادة بكميات كبيرة في الغشاء المحيط بالبذور الملتصقة على الطبقة المحيطة بالأضلاع الداخلية (الحواجز)، وفي الغطاء الداخلي، وبكميات أقل نسبيًا بالأجزاء الأخرى من الفلفل. لا تفرزها البذور رغم أن المحتوى الأكبر منه يوجد في اللب الأبيض حول البذرة. ويقاس المحتوي من “كبسايسين” بوحدات “سكوفيل” (SHU) (مقياس قوة وشراسة الطعم الحار).

ويعتبر فلفل “كارولينا ريبر” (من فصيلة كابسيكوم تشينيس) الأشهر عالميًا. وقد حاز -منذ 7 أغسطس 2013- على لقب “الفلفل الأشد حرارة في العالم” من قبل موسوعة “جينيس” للأرقام القياسية، وحقق 2.2 مليون وحدة على مقياس “سكوفيل”. وتوجد أفلام وثائقية ومقاطع فيديو على قناة “يوتيوب” تُظهر أشخاصًا يجرون “مغامرات تحدي” تناول هذا النوع من الفلفل الأشد حرارة في العالم. ويُشار إلي أن إفراز مادة “كابسيسين” ذات الطعم الحار يحمي النبات من الحشرات، والحيوانات بأنواعها، غير أن ألوان نباتاتها الزاهية تجذب الطيور إليها لنثر بذورها، ولا تتأثر الطيور بهذا الطعم الحارق. بينما لا تحتوي عدة أنواع من الفلفل، منها: “الفليفلة الحلوة”، ونوع “العملاق ماركوني”، وفلفل “جيمي نارديلو”، وفلفل “القلي الإيطالي” هذه المادة (صفر على مقياس سكوفيل).

إقرأ أيضاً:  الطوابع البريدية: "البنس الأسود"، وأياديه البيضاء

مساحة إعلانية


“جيرالد فاولر”. “المهووس” بتناول الفلفل الحار!

الفلفل الحار الأحمر
DW

علي مرّ عقود من السنين. كان للفلفل الحار حضور طاغِ في كثير من الثقافات الغذائية والطبية. فلقد استعمل في الطبخ كتوابل شعبية، وفي السلطات والأطباق الحارة والحريفة. ولكل نوع من أنواعه ميزته الخاصة، لكن للأنواع الحارة تقدير خاص كونها تعمل على تنشيط النظام الغذائي “الرتيب/ الممل”. ولعل ترقب استشعار الطعم اللاذع الحار الناتج عن ابتلاع مادة “كابسيسين” يساعد في ردع الاستهلاك المفرط لها. ويـُعتقد أن تلك اللذعة -التي تعطي الأطباق خصوصية يصعب وصفها- ساعدت في ضمان استمراره في كثير الثقافات الغذائية. كما يـُلاحظ أن البلاد ذات المناخ الأدفأ تقدم أطباقًا لاذعة أكثر. حيث وجد باحثون في جامعة “كورنيل” -في دراساتهم عام ١٩٩٨- أن العديد من التوابل اللاذعة لها دور في حماية أطعمة من نمو الملوثات البكتيرية والفطرية التي تنشط في المناخ الحار. حيث تساهم مادة “كابسيسين” في قتل/ تثبيط نمو نحو ٧٥٪ من البكتيريا التي تلوث الأغذية.

ويرجع هَوَس “جيرالد فاولر” بتناول الفلفل الحار إلى منتصف العقد الأخير من القرن العشرين. حين أعطى عمُّ “جيرالد” لأبيه ببغاء يدعي “مورفي”، وقرنَ فلفلٍ حار لإطعامه، لأنَّ الطيور لا تشعر بحرارة الغذاء. فأخذا بعض بذور الفلفل، وزرعاها، ثم نشرا إعلاناتٍ عنها عبر الإنترنت، وبدأ العمل من مقاطعة “كُمبريا”. وبعد عِقدين من الزمان، لا يزال “جيرالد”يُدير”شركة زراعة الفلفل الحار” The Chilli Pepper Company البريطانية. وتزرع خمسين نوعًا منه، ومن بينها “كارولينا ريبر” (2.2 مليون وحدة على مقياس “سكوفيل”)، وفلفل “ناجا فيبر” (1.3 مليون وحدة على المقياس نفسه). وتعرض شركته “منتجات الفلفل الحار القوية”، مثل زجاجات مادة “كابسايسين” الخام (تصل شدتها إلى 16 مليون وحدة على مقياس “سكوفيل”)، وعبوات رذاذ الفلفل، وبذور الفلفل الحار للمُزارعين. كما يخدم نطاقًا واسعًا من العملاء من بينهم “مُدمنو” الصلصة الحارة، وبعض رُواد صالات الألعاب الرياضية الباحثين عن إفراز أجسامهم لجرعةٍ سريعةٍ من “الإندروفين” قبيل إجراء التمارين الرياضية الشاقة، ومَن يعانون آلامًا مزمنة ويريدون تخفيفها.

ويقول “جيرالد”:

“توجد صعوبات في تحمُّل ابتلاع أقوى أنواع الفلفل الحار، مثل “كارولينا ريبر”. ومع ذلك، من الممكن تحسين قدرة الجسم على تحمُّله بدرجةٍ ما، ولكنَّ لا يحدث ذلك بدون إفراز عرق غزير، ومعاناة بعض الأعراض الجانبية. ويتطلب تدريب نفسك على هذا الأمر بضعة أعوام، فَحين تتناول شيئًا حارًا، يُرسل جسمك إشارةً لدماغك ليخبره بطبيعة هذا الشيء، فيحاول رفضه. وحين تتصبب عرقًا وتعطس، فهذا يعني أنَّ جسمك يحاول خفض درجة حرارته”.

ثم يضيف ضاحكًا: “يسمع كثيرون صفيرًا في آذانهم حين يُجرِّبون تذوق أقوى أنواع الفلفل الحار، ويستطيع المحترفون التمييز بين مذاق الأنواع المختلفة قبل أن تُسيطر عليهم حرارتها”. ويتميز فلفل “كارولينا ريبر” الحار بِمذاقي الشيكولاته وتوت العُليق، لكنَّ لم أستطع تمييز هذين المذاقين أبدًا فيه، فلا تصلني سوى حرارته. وتناولت “كارولينا ريبر” الذي له مذاق الشيكولاتة، ثم اضطررت لتناول ثلاث ثمرات من الموز، ونصف لتر من اللبن بعد ذلك. إذ تُسيطر الحرارة الحارقة للفلفل على دماغك، ويبدأ جسمك بالاضطراب، ثم يُفرَز هرمون الإندروفين مما يجعلك تبتسم بعد ثانيتين”.

كما تنتشر زراعة فلفل “كارولينا ريبر” في قرية “روك هيل”/ ولاية كارولاينا الجنوبية. ويدير “ايد كاري” شركة للفلفل في قرية “فورت ميل”، في ولاية كارولاينا الجنوبية. في أثناء معرض نيويورك للصلصة الحارة السنوي الثاني، عرض “ايد كاري” شهادته من “جينيس” للأرقام القياسية. وأجري مسابقة تناول ثلاثة حبات “كارولاينا ريبر” في أسرع وقت، وفاز بها “رسل تود” الذي استطاع “إجتياز التحدي” في 12.23 ثانية. ويوجد نوع حارّ آخر هو “فلفل بوت جولوكيا” (Bhut Jolokia chili pepper) ويشتهر بـ”الفلفل الشبح”.

هل هي تجربة تستحق المغامرة؟ (الفلفل الحار)

حاول الصحفي الخاص “روري بارات” (يعمل في المملكة المتحدة)، التعرف -بشكل مباشر- على آثار تناول الكثير من “كابسيسين” بعد التهامه برجر مشبع بصلصة فلفل “بيري بيري” الحار من الهند. فأدى ذلك إلى نقله إلى المشفى. وحسب تجربته. فإنه شعر بألم موجع في فمه، بعد لحظات من قضمته الأولى للبرجر. وازداد الوضع سوءًا بمرور الوقت: “حالما وصل ما ابتلعته إلى معدتي أو ما يقارب ذلك، بدأت قدماي بالاهتزاز ويداي بالتشنج، أعتقد أني كنت ألهث. وكانت عيناي تدوران في مؤخرة جمجمتي، كنت شاحبًا جدًا، وكان من الصعب أن أتكلم حينها”.

واستمرت تجربة “بارات” نحو ثلاث ساعات، ومع أنها لم تفض إلى ضرر دائم، لكن اهتز اعتداده بتناول الطعام الحار. بالنسبة لكثيرين -وبخاصة غير المعتادين على تناول الطعام الحار- فإن الكثير من “كابسيسين” في الطعام قد يسبب اضطرابات هضمية، وحث الأمعاء على زيادة إنتاج المواد المخاطية، ويسبب لها تقلصات أقوى، في محاولة للتخلص من تلكم المادة بأسرع وقت ممكن. وبما أن هذه التقنية عادة ما تنجز المهمة بنجاح، فإنها قد تسبب آثارًا مزعجة كالإسهال والقيء.

القيمة الغذائية والطبية – الفلفل الحار

الفلفل الحارّ غني بفيتامينات منها: C (ضعف النسبة الموجودة في الليمون)، وفيتامينات A، E، ومعادن: النحاس، والبوتاسيوم. بالإضافة للعديد من المركبات والمواد المضادة للأكسدة، مثل: اللوتين (Lutein)، والكابسانثين (Capsanthin)، والفيولازانثين (Violaxanthin)، وحمض السنابيك (Sinapic acid)، وحمض الفريوليك (Ferulic acid). أما متوسط القيمة الغذائية لمائة جرام من الفلفل الحارّ الطازج (حسب وزارة الزراعة الأميركية) فهو: الماء: 88%، والكربوهيدرات: 8.8 جم، والبروتين: 1.2 جم، والألياف: 1.5 – 2.5 جم، والسكر: 5.3 جم، والدهون 0.4 جم، والسعرات الحراريّة: 37- 40 سعرًا حراريًا.

ومن فوائده الصحية: يساعد على زيادة معدّل الأيض في الجسم؛ لاحتوائه على مادة “كابسيسين” التي تزيد إنتاج الجسم للطاقة؛ الأمر الذي يعني زيادةً في حرق السعرات الحرارية، إلا أنّ الاستمرار بتناول الفلفل بانتظام قد يقلّل من تأثيره الأيضي؛ لتكيّف الجسم مع تأثيره. ويساعد على الحفاظ على صحّة الجهاز الهضميّ عبر تحفيّز إنتاج وإفراز الإنزيمات والسوائل الهضمية؛ الأمر الذي يساهم في تعزيز عملية الهضم. كما يساعد على تعزيز مناعة وقدرة المعدة على مكافحة العدوى.

وطبيًا: لدى الفلفل الحار أهمية ” طبية شعبية” كبرى عند الأمريكيين الأصليين. وتستعمل مادة “كبسايسين” في الطب الحديث -بصورة أساسية بالعلاج الموضعي- كمنشط للدورة الدموية ومسكن، وضمن بخاخات حساسية الأنف. ويستعمل رذاذ خلاصة الكبسايسين (رذاذ الفليفلة/ الفلفل) كوسيلة غير قاتلة لشل قدرة شخص ما من قبل منفذي القانون. وعلى نطاق واسع لمكافحة الشغب، أو من قبل الأفراد للدفاع عن النفس، وفي البساتين كمبيد حشري طبيعي.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  "ثقافة" القهوة


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

بين الشيطنة والملائكية يكون الإنصاف

الأثنين أغسطس 9 , 2021
تمت قراءته: 2٬663 يعيش المرء في عالمنا الحديث أيامًا ثقالًا قد تجعل الحليم حيران نعم إنه زمن السرعة وعدم التروي في كثير من الأمور. وتدور الدنيا مسرعة من حولنا ومن لم يدرك اللحاق بها قد يظن أنه فقد الكثير. وعلاقة البشر بعضهم ببعض ربما تكون علاقة فاشلة فاسدة لأنها لم […]
بين الشيطنة والملائكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة