ذئب الفايكنج

في أمسية من أمسيات الشتاء.. شاهدت لك فيلماً حديث الإنتاج والعرض وهو: “Vikingulven”، أو (ذئب الفايكنج) Viking wolf. وتوفر هذا الشريط علي شبكة (نتفلكس) ـ التي أنتجته ـ في 3 فبراير 2023، لكنه اتيح لجمهور السينما في 18 نوفمبر ٢٠٢٢. وكان قد بدأ تصويره في ثلاث مناطق رئيسية في النرويج : “نوتودين”، و”أوسلو”، و”فيكن” في يونيو 2022، وانتهى أوائل نوفمبر من نفس العام. والنرويج ـ ذلك البلد الاسكندنافي ـ هي موطن المضايق الرائعة، والأضواء الشمالية المذهلة، والحياة البرية النادرة، والهندسة المعمارية الغنية. ويصحبك ليخبرك ـ بكل هذا وغيره ـ مشاهد هذا العمل الفني المثير الماتع.

ذئب الفايكنج
اكوام

وتعد الجهود الأولى في هذا النوع الأعمال الفنية من بين الأفضل، حيث تفتح أعين الجمهور على عوالم الرعب التي لم يسبق لها مثيل ، وتضيء مستقبلًا من التتابعات ، والتطورات ، وإعادة الطرح والإنتاج. ولقد تناولت أعمال “الفن السابع” قصة «آكلى لحوم البشر». وكانت سلسلة أفلام «دراكولا» و«المستذئبين» هى التى قدمت هذا الطرح. حيث أشتهر «دراكولا» بسفك الدماء والفتك بأعدائه، وتكرس كشخصية درامية مرعبة تتغذى على دماء البشر لتضمن إطالة عمرها إلا مالا نهاية. أما عن «المستذئبين، أو البشر الذين تحولوا إلي ذئاب » فكان باكورة أفلامهم هو: “مستذئب لندن” (Werewolf of London)‏ (1935)، للمخرج “ستيوارت ولكر” وبطولة “هنري هال”. فبعد أن يسافر عالم النبات “ويلفريد جليندون” إلى منطقة “التبت” بحثًا عن زهرة نادرة ، ماريفاسا ، يعود إلى لندن التي تطاردها جرائم القتل التي لا يمكن أن تكون إلا من عمل ذئاب ضارية متعطشة للدماء.
ويعالج المخرج “روي وليم نيل” في فيلمه “فرانكستشين يقابل الرجل الذئب”Frankenstein Meets the Wolf Man (1943) استعانة الرجل الذئب الذي أعيد إحيائه ، باحثًا عن علاج لمرضه ، بعالم مجنون. يدعي أنه لن يخلص هذا الذئب الرجل من تحوله الليلي فحسب، بل سيعيد أيضًا إحياء الجسد المتجمد لإبداع “فرانكشتاين” اللاإنساني.

ذئب الفايكنج

إقرأ أيضاً:  خيال عن واقع نرفض مواجهته

مساحة إعلانية


وفي عام (1981) ظهر فيلم ” ذئب أمريكي في لندن” An American Werewolf in London” للمخرج ” جون لاندز”. حيث “ديفيد” و”جاك” ، طالبان جامعيان أميركيان ، يقومان بحمل حقائبهما عبر بريطانيا. فهاجمهما ذئب كبير. فيتم عض “ديفيد”، لكن جاك قتل بوحشية. وبينما يتعافي “ديفيد” في المستشفى لكنه يعاني من كوابيس عنيفة من ذكريات صديقه المشوه، والتي ستجعله مستذئبًا. عندما يكتشف الحقيقة الرهيبة ، يفكر في الانتحار قبل اكتمال القمر القادم فيتحول من رجل إلى وحش قاتل. أما الشريط السينمائي الأمريكي wolfen (1981) للمخرج ” ميشيل وادليغ” ففيه يتم تكليف شرطي المدينة بحل مجموعة غريبة من جرائم القتل العنيفة حيث يبدو أن الضحايا قتلوا على يد الحيوانات. في سعيه يتعلم عن أسطورة هندية عن أرواح الذئب. ومن حكايات “أنجيلا كارتر الخيالية” تم اقتباس فيلم “شركة الذئاب” The Company of Wolves (1984) للمخرج “نيل جوردان”. حيث تحلم الشابة “روزالين” بقرية في الغابة المظلمة ، وتخبر الجدة حكاياتها التحذيرية التي تغري فيها الذئاب كثيفة الشعر، العذارى البريئات. بينما تكبر “روزالين”، هل ستأتي الذئاب لها أيضًا؟.
وفي فيلم “الرصاصة الفضية” Silver Bullet (1985) فوجئت بلدة Tarker’s Mill الصغيرة بسلسلة من جرائم القتل السادية. وخشى الناس من أن يكون هذا هوسًا. لكن أثناء البحث، لوحظ وجود مخلوق غريب غامض يظهر مرة واحدة شهرياً. لذا يحبس الناس أنفسهم ليلاُ، لكن فتى يقوم بإعداد الشواء، فحدث له ما حدث. وأخرج هذا الفيلم “دانيال آتاس”. وظهر الفيلم الأمريكي “الذئب” wolf (1994) من إخراج “مايك نيكولاس”. ويحكي عن محرر الكتب المتقدم في السن “ويل راندال” (جاك نيكلسون) الذي يجد نفسه مليئًا بالحيوية والشباب بعد تعرضه للعض من قبل ذئب في ريف “فيرمونت”. ثم يكتشف “راندال” أنه تم فصله واستبداله بـ “ستيوارت سوينتون” (جيمس سبادر)، وهو مسئول تنفيذي شاب وشرير. بينما يكافح “راندال” لاستعادة منصبه ، يصبح مفتونًا بـ”لورا ألدن” (ميشيل فايفر)، ابنة رئيسه السابق. ومع بدء الحوافز الشبيهة بالحيوانات بشكل متزايد في إرباكه ، يشعر “راندال” بالقلق من أنه قد يكون ذئباُ.
ويقص فيلم “العالم السفلي” Underworld (2003) للمخرج “لين وايزمان” الحروب الليلية بين مصاصي الدماء والذئاب الضارية ضد بعضهم البعض لعدة قرون. لكن الرهانات توقفت عندما أصبحت محاربة مصاصي الدماء هي “سيلين”، التي تشتهر بقوتها وبراعتها في صيد الذئاب، والمغرمة بذئب محب للسلام يريد إنهاء الحرب. وتناول المخرح “بيريت سوليفان” في فيلمه Ginger Snaps 2: Unleashed (2004) محاولة “بريجيت” شقيقة “جينجر”، التي أصبحت الآن مستذئبة، إيجاد علاج لشهوة الدم قبل اكتمال القمر التالي. وذلك أثناء الاختباء في عيادة إعادة التأهيل. أما في فيلم Ginger Snaps (2000) للمخرج “جون فاوست” فيحكي قصة شقيقتين منبوذتين، “جينجر” و”بريجيت”، في بلدة “بيلي داونز”، الضاحية الطائشة. وفي ليلة تعرضت “جينجر”، تعرضت لهجوم وحشي من قبل مخلوق بري. وتلتئم جروحها بأعجوبة، لكن شيئًا ما ليس صحيحًا تمامًا. ويجب علي “بريجيت” إنقاذ نفسها وأختها.
ويسرد المخرج ” ستيفن سومرز” في فيلمه Van Helsing(2004) حكاية إرسال القاتل الوحش الشهير “جابرييل فان هيلسينج” إلى “ترانسيلفانيا” لمساعدة آخر سلالة دموية في هزيمة الكونت “دراكولا”. وتكشف “آنا فاليريوس” أن دراكولا قد شكل تحالفًا غير مقدس مع وحش الدكتور “فرانكنشتاين” وهي عازمة على الثأر. وفي شريط الرعب/ الكوميدي الكندي للمخرج ” لويل دين” Another Wolf Cop (2017) بعاني شرطي مدمن على الكحول من انقطاع التيار الكهربائي. ويبدأ في التحول إلى ذئب عندما يظهر اكتمال القمر في السماء. أما في فيلم الرعب الكوميدي الأمريكي “ذئب سنو هولو” The Wolf of Snow Hollow (2020) فيكافح ضابط شرطة من أجل عدم الاستسلام لجنون العظمة الذي يسيطر على بلدته الجبلية الصغيرة حيث تظهر الجثث بكثرة بعد كل اكتمال القمر، وأخرج هذا العمل ” جيم كيمنجز”.

ذئب الفايكنج

إقرأ أيضاً:  قِصار القامة في الأدب والدراما

مساحة إعلانية


ولم يتوقف الإبداع الفنى عند ابتكار شخصيات مصاصى الدماء والمستذئبين الذين يجمعون بين صفات البشر والذئاب الشرسة التى تتغذى على لحوم البشر. وإنما قدمت مجموعة من الأفلام أيضا تحليلا وتفسيرا علميا وطبيا للتكوين النفسى والعضوى لهذه الكائنات شبيهة البشر. واستندت علي دراسات أكدت وجود هؤلاء كمادة لتعمق تحليلها. وتطورت المعالجة السينمائية لهذه الأسطورة اعتماداً علي احتمالات : انتشار جائحة، أو عودة الموتى، أو تحول أصحاء لآكلى لحوم البشر لتعرضهم لعضة قاتلة من قبل موتى الخ. وربط اكتمال القمر بالمستذئب يعود لرمزية القمر ـ عند الأقدمين ـ من قوة غير طبيعية وقدرته على التأثير علي البشر، حيث يرتبط الإنسان بالوحش بشكل “سحري” وخارق للطبيعة.

ذئب “الفايكنج”
يُعد هذا الفيلم باكورة أعمال السينما النرويجية عن “المستذئبين”، أي تحول (رجل / امرأة) إلى ذئب. ولقد شكل “الموتى الأحياء، مصاصو الدماء الطازجة، آكلو لحوم البشر، كائنات بشرية فاقدة للإنسانية” أحد أكثر الوحوش التي ابتكرتها قريحة البشر استمراراً وديمومة. وما زالت مثيرة لشغف السينما والناس فى محاولات متنوعة لتحليلها وتفسيرها. وفكرة “ذئب الفايكنج” مأخوذة عن أسطورة قديمة ـ لها نظائرها في عديد من الثقافات وعبر الأزمنة ـ يعود تاريخها إلي عام 1050م خلال حقبة “الفايكنج”. وهي فترة في تاريخ أوروبا، تمتد من أواخر القرن الثامن (793م) وحتى القرن الحادي عشر. وقد استكشف “الفايكنج النرويجيون” أوروبا بمحيطاتها وبحارها أثناء التجارة والحرب والغزو. كما وصلوا إلى “آيسلندا” و”جرينلاند”، و”نيوفاوندلاند”، و”الأناضول”. وقرر زعيم “الفايكنج” غزو “نورماندي” (شمال غرب فرنسا) للنهب والسلب. وتوسل إليه الرهبان بعدم دخول غرفة معينة داخل أحد الأديرة، فظن أنها تحتوي كنوزاً مخبئة من ذهب وفضة. لكنه وجد شيئاً آخر، فقد حرروا “كلب الجحيم” الذي رافقهم في طريق عودتهم، لكنه قتلهم جميعاً ولم يبق إلا هذا “المخلوق” الذي أدخل الشر إلي الغابات النرويجية. وظهرت تبعات ذلك بعد قرون عديدة مجسدة في أحداث هذا الشريط المثير الباهر.
وشارك المؤلف “إيسبن أوكان” Espen Aukan، كتابة قصة هذا الفيلم مع مُخرجه النرويجي “ستيغ سفندسن” Stig Svendsen(مواليد 19 مارس 1975). وكان “ستيغ” قد كتب واخرج فيلم الأثارة والرعب الأمريكي “المصعد” elevator (2011)، و”خليج الملوك” Kings bay (2017). وتميز العمل ببداية غامضة، وآداء تمثيلي جيد، ومؤثرات بصرية مُدهشة، وموسيقي تصويرية جذابة، و”فانتازيا” خدع حاسوبية، وماكياج اصطناعي مناسب للاحداث العاصفة. وأضافت المناظر الطبيعية الخلابة، ومجريات البحث في المواقع المظلمة رعباً وتوتراً ” ماتعا” حيث يزداد إفراز هرمونات “الأندورفين” و”دوبامين” الداخلية.

وسرد الشريط السينمائي ـ من بطولة: “إيلي ميلر أوسبورن”، و”ليف ميجونز”، و”أرثر هاكالهتي”ـ حكاية الفتاة المراهقة “ثالي” Thale (17 عامًا) التي تنتقل إلي بلدة جديدة لتعيش مع والدتها، ضابطة الشرطة المحلية “بيرج”، وتتسم شخصية الفتاة بالإنطوائية والعزلة والإستغراق في أحلام اليقظة. وعند نزهتها “البرية” مع أصدقاء لها، شهدت هجوماً شنيعاً من قبل “مخلوق مجهول” أدى لمقتل فتاة “إيلين”. وتصبح “ثالي” هي مفتاح حل هذا اللغز البشع، لكن شائعات عن “ذئب” يفترس الناس انتشرت ـ في المدينةـ كإنتشار النار في الهشيم.
ويسكن هذا الكائن المتوحش مكانٍ ما في الغابات خارج نطاق المدينة الآمنة. وعند محاولات مطاردته من قبل الشرطة بقيادة الضابطة “بيرج” قضي علي العديد أفراد الصيد والترصد. تمت جهود حثيثة للتعرف إلي “طبيعة” هذا الوحش القاتل” عبر إجراء عمليات مسحية ووصفية وجينية وتشريحية بيطرية لبقايا ظفر خلع في جسد أحد ضحاياه. وعاث في المدينة وشبابها وأهلها قتلا وافتراساً، بل وتحولت الفتاة “ثالي” إلي “مستذئبة”. حيث تستطيل اظافرها ، وتبرز انيابها ، ويتجعد جلدها، ويتكثف شعر حواجبها، وتشقق شفتاها ، وتحمر عيناها الخ. ومن ثم تنشط في افتراس الضحايا عند اكتمال القمر كل شهر. وعند شروق الشمس تعود إلى حالتها الطبيعية البشرية. وفي بداية المشكلة ـ وقبل استفحالها أكثرـ استمعت الضابطة “بيرج” إلي شيخ كبير، صياد. فحكي عن مطاردته هذا “المخلوق” لسنوات في الغابات، وأنه مرتبط بإحداث قديمة. وهو علي دراية به وبسلوكه، وما الذي يقتله بالضبط، وأعطاها رصاصة من فضة لتطلق مباشرة في القلب. لكن لم تؤخذ مشورته علي محمل الجد إلا عندما تحولت الفتاة “ثالي” إلي مستذئبة.

مشاعر إنسانية متضاربة:
تستوقفك المشاعر الإنسانية الجياشة التي تتحكم في الأم / ضابط الشرطة. بين شعورها بالآمومة والحنان نحو أبنتها ، وبين واجب عملها الذي يقتضي تنحية تلكم المشاعر جانباً والقضاء علي المستئذب بإطلاق رصاصة الفضة عليها. كذلك محاولة الأخت الصغيرة (البكماء) ترويض أختها (المراهقة المستئذبة) كي تعود لطبيعتها البشرية، لكن دون جدوي. وبعد سلسلة أحداث متسارعة، يختتم العمل بأن تضع الأم/ الضابطة “رصاصة الفضة” بجوار صورة أبنتها أو ما كانت ابنتها قبل تحولها إلي مستذئبة.

د. ناصر أحمد سنه، مصر

ذئب الفايكنج

إقرأ أيضاً:  قضية فلسطين هي قضية أمة وليست قضية وطن


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

مسلسل هوم لاند: استمرار لـ"صناعة الكراهية"

الخميس أكتوبر 5 , 2023
تمت قراءته: 674 يعود “نيكولاس برودي” رقيب في المدفعية البحرية الأمريكية إلى وطنه بعد ثمان سنوات من اختفائه في العراق. وقد تم انقاذه بواسطة قوة “دلتا”. ويُمسي محط أنظار عميلة المخابرات الأمريكية “كاري ماثيسون”، التي تشتبه في أنه يخطط لهجوم على الولايات المتحدة. (مسلسل هوم لاند) مسلسل “أرض الوطن” (Homeland) […]
مسلسل هوم لاند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة