ذكرى أرهقها الحنين

1

حين أتذكر تفاصيل حياتها أشارك ذلك العالم، أحس بتلك المثل البريئة، كأنها وجد روح يغمرنا بالسعادة، أتذكرها تحكي لنا قصة القبض على اللحظة الهاربة من عمرنا في ميزان برج الجدي، أشم عبيرها الباقي كمسك يصوغ في الذاكرة. كانت الجدة ماما كأنها الكون تحكي قصة الزمن اللعوب. جدتي.

جدتي
الصورة: صحيفة الاتحاد

أتراه كان حلما أن أنثر مشاعري المبعثرة على أوراق زمنك الجميل، أي حياة تلك التي كانت. في مكان ما وزمان. يضحكنا ويبكينا ما تختزنه تلك الذاكرة من حياة جدتنا الأم!

للأسف ضاقت مساحة التعبير والكتابة هنا لشدة ضوء الحقيقة. ضاقت مع اتساع المعنى وبقايا ذكريات. ولأني أقطر روحي هنا لا أحتج أبدًا على ديمومة [1]دَيمومة: (اسم)دَيْمومَةُ العَمَلِ : دَوامُهُ وَاسْتِمْرارُهُ. مصدر دامَ/ دامَ على. قاموس المعاني الحياة وهي تراهن على غير توقعاتنا والآمال كأنها البارحة وليس قبل سنوات. أليست مدهشة ومذهلة هبة الله أن يمنحنا هذه الذكرى الجميلة التي تحرك في داخلنا مشاعر لا توصف، تحرك فينا كل العواطف النبيلة التي تستخرج ما في أعماقنا من ينابيع الحب والرحمة والتسامح، بل وسائر القيم الإنسانية التي لم نقرأها في قاموس أفلاطون ولا حتى ديكارت.

شكرا لك يا جدة وانت تواسينا هذا الانتظار

طيفك الجميل يطل على يومي كل ساعة، حيث أودعت بعض كنوز الذاكرة، ووهج عاطفة يزيدها الزمن توقدًا، ذكرى أرهقها الحنين. جدتي.

عندما تكسوني الهموم أسبح في بحر ذكراها الجميل. الجدة الام “ماما جديدة “. حكاية الزمن السعيد، هي ذاكرة سنين طوال تمتد لأكثر من تسعين عامًا تعلمنا أن الجمال موجود في كل شيء لكن ليست كل العيون ترى. وتعلمنا أن الألم الكبير لا دموع له، وللحياة أسلوب أهم من العيش ذاته. دائمًا تردد عبارة إقرأ وهي الأمية. أضافت إلى خزائن قصصها والحكايات، قصة خزائن يوسف وما آل إليه من نعيم.

قلبها الكبير كغرفتها لا يكاد يخلو من ضيوف. تحدثنا جدران بيتها القديم عن المعنى الحقيقي للحياة المتمثل بالبساطة والحب والتراحم والتزاور والتجاور المشروع بل والسعادة بكل ما تحمله من معنى. وفي صلابة الواقع وزحمة الحياة وغياب الروح نتساءل كيف يكون لها كل هذا الحضور الحي والجميل والمحبة. هذا الشعور ينتابنا في كل تفاصيل حياتنا دون تكلف او عناء، كيف يكون لها في كل غرس ثمرة حتى اذا بحثت عن جذورها وجدته يمتد إلى مساحات عديدة. ذكرياتنا معها طيف جميل قلما نصحو منه.

صدق محبة وقبول رباني كريم. وإذا ما رسمنا صورة وجهها الجميل في القلب تذكرنا الجمال الحقيقي بكل بساطته وعفويته. رزقها الأكبر في الحياة هو الرضا لذا تتكرر كلمات الحمد على لسانها. تحمد الله قبل أن تروي قصصها وحكاياتها سواء في ليالي الصيف المضيء ونحن ننظر بوجه القمر أم في ليالي الشتاء البارد. تتلو لنا الحكاية تلو الحكاية دون كلل او ملل. وكان همنا الوحيد أن تستمر في الحديث ولا تنتهي الحكاية. فالنهاية مؤلمة تذكرنا بوطاة الزمن. كان مطلبنا لو أن دنيانا كلها تصبح حكاية حالمة لا تنتهي بتقادم الزمن.

إليك جدتي..

إليك جدتنا الام كل الحب والأماني الجميلة التي تمتد إلى ما وراء عالم الدنيا القصير. نستعير منك الحب دعاءًا يوميًا تتلينه لنا قبل وبعد صلاة الفجر علنا نهتدي ونأمن بعد أن ضيعتنا الحياة في أجواءها الموحشة المكتظة بالمظاهر والماديات. كم تلقينا منك دروس الحياة وعبر الزمان. تعلمنا منك أن الصدق وحسن الظن قيم تستحق الذكر. قيم محفزة للحياة.

ووصيتها التي ترددها كلما دعونا لها بطول العمر، أن يغفر الله لها ونلملم قبرها في التراب. فمنها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى. اللهم أغفر لها وارحمها واجعل قبرها روضة من رياض الجنة.

أ م.د سامي محمود ابراهيم
رئيس قسم الفلسفة
كلية الآداب
جامعة الموصل
العراق

 

إقرأ أيضاً:  ترنيمة القدس - الحقيقة وإنتاج المعنى


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


الملاحظات أو المصادر

الملاحظات أو المصادر
1 دَيمومة: (اسم)دَيْمومَةُ العَمَلِ : دَوامُهُ وَاسْتِمْرارُهُ. مصدر دامَ/ دامَ على. قاموس المعاني
⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

فنون السعفيات

الأثنين يونيو 21 , 2021
تمت قراءته: 2٬820 لا تزال “السعفيات” تزين جوانب العديد من البيوت العربية، وذلك لتميز أشكالها الجميلة، وألوانها البهية، فضلًا عن استخداماتها المتنوعة. ولا يزال الحرص على تعلم فن جَدلها، ومهارات صنعها جاريًا علي قدم وساق. ولم لا؟ فهي نموذج دال علي تراث الأجداد، وأصالة الماضي العريق، وواحدة من الحرف التقليدية، […]
فنون السعفيات

تعليق واحد على “ذكرى أرهقها الحنين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة