فرضنة الواقع

هل حقّا الواقع هو عالم منفصل عن عالم الافتراضيات والتّنظير؟ وهل عالم الافتراض هو بحدّ ذاته عالم الملاذ والمآل إليه عند البشر لامتصاص الصّدمات، للبعد قدر الإمكان عن الحقيقة المرّة، وما يسمّى “خشونة وقساوة الحياة ومرارة حقيقتها”؟ (فرضنة الواقع)

فرضنة الواقع
theprogrammerchild.com

عالم الواقع ليس عالم منفصل أو ذا منظومة تضاد عالم الافتراض وتناقضها حرفيا بحدّ ذاته، إنّ القول بخلاف ذلك يشبه قولنا أنّ الرّوح شيء والجسد شيء، ومن الممكن فصلها، فيعيش الجسد كمنظومة منفصلة والرّوح كمنظومة أخرى!

عالم الواقع في حقيقته هو ترجمة لجانب من عالم الافتراضات والجانب العملي له وتطبيقه الحيّ، واختبار لمدى صحّة الفرضيات وصوابها أو خطئها، وقياس مدى ملائمتها وتأثيرها في الطبيعة وتعيين مدى قربها أو بعدها عن الإنسان.

وإنّ جعل عالم الخيال كعالم للهروب من الحياة وما فيها، لا كمنطلق لتعيين وإيجاد قاعدة، يمكن أن تمسي مع الوقت أسلوب حياة أو نموذج فكري، يلجأ إليه في حالة الشّدة فقط، يعدّ تجريد وتحريف لهذا المصطلح من حقيقته وتشويه لمعالمه، وصورته، واستخدام له في غير موضعه.

عالما الواقع والافتراض ذا علاقة متينة مترابطة يكمّل فيها كلّ الآخر، ولكن المغالاة في العيش في إحدى هذه العوالم يخرج كلّ منهما عن حقيقته وكنهه، فالإفراط في التعامل مع عالم الواقع والعيش يحوله إلى عالم مادة بحت يتجرّد فيه الإنسان من كلّ جميل ويتحول إلى آلة تحركها الشّهوات والملذّات.

والافراط في الاستخفاف بعالم الواقع وقصور معطياته، والعيش في عالم الافتراضات مطلقا، يحوله إلى عالم مليئ بالأوهام ويجعل الإنسان فيه لامسا لخيالات الأشياء دون لمس الحقيقة أو التّعرف عليها وغير مبصر لها برؤية ترى فيها الألوان والأشكال والأحجام على ما هي عليه، وما تكون طبيعتها.

إقرأ أيضاً:  أنت ملتزم!

مساحة إعلانية


وسيان هما عالم الخيال وعالم المادة، فهما صور التٌطرف وقطبيه بالنّسبة للواقعيّة والفرضنة؛ والتّطرف صاحب حقيقة واحدة، شرّق أو غرّب. فعالم الخيال هو عالم كلّ ما فيه أبيض اللّون زكي الرّائحة، جميل الطلعة، وإن كان حقيقة عكس لذلك أو مضادة له في بعض النّقاط، وبينما عالم المادة هو عالم مظلم كالح السّواد، لا يرى فيه أو يسمع إلّا سيّئ الصور والأصوات، ومنتن الرّوائح.
ولربّما يكون أسوأ من ذلك كلّه تداخل الافتراض مع المادة وتولّي المادة زمام الفكر والمسئوليّة في حين يصبح الافتراض تابعا، فحتما ستكون النّتيجة كارثية جدا، وذات عواقب وخيمة، وأكثر التباسا على الرائي.

بينما إذا كان عالم الافتراض من بيده زمام الأمر والّذي يسيّر المادة والواقع ويجعلها تابعين له، ويخضع الخيالات له هو ذاك الّذي يمكن أنّ نسمّيه (افتراضية الواقع، أو فرضنة الواقع) وهو ما أخرج للإنسانيّة معظم الجمال والاختراعات، وأشعل نور النّفوس، وأرشد العقول للاهتداء لطريقة ما، وتحسين أوضاعها، ووجّهها لافتراض تصور شامل يمكن أن يقرّب الطريق بين الإنسان وسعادته، ويردم الفجوات في النّفس ككيان فردي أو كيان مجتمعي أشمل وأعمّ.

وبشكل عام يمكن إرجاع كثير من تلك النّظريات الإصلاحيّة إلى هذا التّصور-فرضنة الواقع- الّذي يمزج بين الواقع والافتراض، ويجعل الافتراض منطلق لعيش الحياة والتّأقلم مع مختلف أحوالها وظروفها، ويسهم دون حدوث الصّدمات والانتكاسات النّفسيّة، الهدّامة في كيان الأمّة أو الفرد، ويستقي مادته الإساسيّة وجوهره ويمدّ بالقوّة عن طريق البعث، وهذا التّصور دائما ما يلازم نهضة فرد بالتّالي يكون نهوض مجتمع أو أمّة ما، وبزوغ نجمها وتألقه، والوثب على اليأس والاجهاز عليه من قواميسها لفترة طويلة، ويحدث تعمّم للتّيجان، في عصر يمثل زها الحضارة -أيّ حضارة كانت-، ويكون بمثابة فترة الشّبيبة عند الإنسان، أو ما سمّاه ابن خلدون بفترة السّؤدد.

فرضنة الواقع أساس أيّ انطلاقه ما، ونهوض من تحت الرّكام، وطوق نجاة في لجج الأمواج العاتية، ونور في غياهب عصور الظّلام.

عبد الرحمن الحداد

(فرضنة الواقع)

إقرأ أيضاً:  قلبي موجوع


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

النّسيان

الأربعاء أغسطس 17 , 2022
تمت قراءته: 1٬511 يقول الشّاعر اليوناني سيموناديس عندما هاجمت اليونان مملكة إسبرطة وغزتها: “هزمناهم ليس حين غزوناهم، بل حين انسيناهم تاريخهم وحضارتهم”. كم هي مقولة تبثّ ريبا في النّفس، وتجعل الأجساد والأجسام تقشعر، وتشعل الحزازات في الصّدرور. وكم تدعو العقل وتحضّه ليدرك في أيّ عصر نحن، وفي أيّ المراحل التّاريخيّة […]
هزمناهم حين انسيناهم تاريخهم وحضارتهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة