مكوجي الرجل: راقص باليه

مكوجي الرِجـْــل: راقص باليه

يقف على قدم واحدة، وينحني محتضنًا الأخري ليمارس مهنته العريقة بنشاط ورشاقة وإتقان. ويتحرك كثيرًا، كأنه راقص باليه، باذلًا جهدًا كبيرًا، فتراه نحيفًا. حاولت أن اُحصي عددهم -في دائرة سكني الكبيرة نسبيًا- فوجدتهم إثنين فقط. يتفردون وسط عشرات من قرنائهم في مهنة الكي، لكن ليس بمكواة الرِجـْل. مكوجي الرجل

مكوجي الرجل
بوابة أخبار اليوم

عبر عقود طويلة. تنوعت وتطورت أشكال المكواة، وأحجامها، وطرق تسخينها. فكانت -في البداية- وعاء حديديًا (له مقبض) يوضع داخله جمر الفحم. ثم ظهرت “المكواة الحجرية الناعمة” (تشبه ثمرة فطر ضخمة) تقوم بتنعيم، وتلميع الملابس. وكانت “المكواة الحزينة المسطحة” ثقيلة الوزن، كبيرة الحجم، متنوعة الشكل وبخاصة مقبضها. وظهرت مكواة أخري عبارة عن سطحين صلبين، يتم وضع الملابس بينهما، ثم تكبس بقوة ويتم فردها بالضغط. ويوجد أشباهها، حاليًا، في مصانع الملابس. وفي يناير 1882، قدم “هنري سيلي” أول مكواة تعمل بالكهرباء. وفي بداية عام 1950 ظهرت مكواة البخار، فكانت وسيلة متطورة في مشوار المكواة، وطرق كي الملابس والمفروشات. ولا أنسى تلك المكواة الحديدية (بحجم راحة الكف، ومثلثة الشكل) التي كانت لدينا منذ عقود، وكنا نقوم بتسخينها على وابور الجاز، ثم شعلة البوتجاز، ثم تفعل فعلها في كي الملابس.

مكواة الرِجـْل – مكوجي الرجل

“مكواة الرِِجـْل” (بكسر الراء، وسكون الجيم) مصنوعة من الحديد الزهر، ومثلثة الشكل، يصل وزنها إلى 25 كيلوجرامًا أو يزيد.وهي ذات ذراع طويلة (لا يقل طول المكواة عن نصف المتر) ليسهل الضغط عليها بالقدم والصدر، للحصول على نتيجة متميزة في الكي.

فبهذه الطريقة التقليدية تحتفظ المنسوجات برونقها فترة أطول. وهى تستخدم -أساسًا- لكى البذلات والعباءات الثقيلة (من الصوف والجوخ)، والملابس والبنطالات الصوفية، والقمصان، والمفروشات. وحسب حجمها، ووزنها. يتم تسخينها من 5-10 دقائق.

وقديمًا. كانت تسخن على “وابور الجاز” ثم تمسح جيدًا بقطعة قماش قبيل استعمالها. وحاليًا يتم تسخينها في أفران مخصصة توقد من اسطوانات البوتوجاز. وفيها يتم تسخين المكواة بشكل عكسي، على الظهر، وليس على الوجه المٌستعمل في الكي.
وفي كلتا الحالتين من التسخين. يتم -بالخبرة- ضبط درجة حرارتها. حيث أن لكل قطعه ملابس حرارة مناسبة، فالصوف يحتاج لأعلاها، والحرير لأدناها. ومن تراكم خبرته يستطيع المكوجي أن يكوي أصغر الملابس بضربة رجل واحدة تنافس قرينه العادي في الدقة والسرعة.

وتعد هذه المكواة “آلة نموذجية” تقوم بما لا تستطيعه نظيراتها. وهي غير مُكلفة، ولا تتعطل، وتصلح للعمل عشرات السنين طالما يتم صيانتها من الصدأ. بينما لنظيراتها المعتمدة على الكهرباء والبخار عمرًا إفتراضيًا، مع كثرة أعطالهما، وكثافة صيانتهما، واستهلاكهما طاقة أكبر تزيد من ثمن الخدمة. بالإضافة إلى أن حرارتها الشديدة تقتل الميكروبات بصورة أكبر.

وفضلاُ عن المكواة (يُفضل توافر أكثر من واحدة) يضم حانوت المكوجي أدوات ومفردات بسيطة. “لوحة الكي/ البنك الخشبي” وهي منضدة خشبية سميكة وقصيرة، تـُثبت في منتصف المحل وتغطى بقماش أبيض. وتستخدم كمسند منخفض توضع عليه قطع الملابس المراد كيها. وهناك “الصاجة” التي توضع عليها المكواة بعد رفعها من على النار، وأثناء ضبط الملابس وتقليبها وقت الكي. أما “البزجأ” فقطعة خشبية ذات تجويف يتم وضعها -بإحكام- أعلى المكواة ليضع المكوجي عليها قدمه، فتمنع وصول الحرارة إليه. وتجعله يتحكم في المكواة كما يشاء. كما توجد قطعة من “الإسفنج” لرش المياه على الملابس، أو يتم استعمال “بخاخة” ترش رذاذها حسب نوع القماش، وقطعة من “الصابون” تساعد المكواة على التحرك بسهولة. ثم “الملاءات القطنية” لتغطية الملابس كي لا يصل إليها الغبار أثناء إعادتها للزبائن. مكوجي الرجل

إقرأ أيضاً:  فنون السعفيات

مهنة تقاوم الاندثار – مكوجي الرجل

ربما لم يشاهد كثيرون مكوجي الرجل إلا في الأفلام السينمائية القديمة. حيث تكرر مشاهد تردد “صبي المكوجي” على البيوت لتسليم الملابس التي تم تنظيفها وكيها. وتكثر “مشاهد كوميدية” نتيجة الخلط بين ملابس الزبائن أو قيام المكوجي نفسه بتأجير بعضها لزبائن آخرين. ومع شيوع كي الملابس بمكواة الكهرباء والبخار تراجع عدد العاملين في كي الملابس بمكواة الرِجـْل وأغلقت محال كثيرة، لوفاة أصحابها. وهي حرفة يدوية تحتاج إلى مجهود كبير وصبر، ولا يـُقبل عليها من يفتقد تلكم الصفات، أو يضن بحبه لها. وقد يتأفف كثيرون من لقب “مكوجى”، ونراه حريصًا على أن يطلق على المحل مسميات مثل “دراي كلين”، وغيرها.

ورغم كل هذه التحديات. إلا أن هناك من يظل مُتشبثًا بمهنته التي تعلمها. كما إن هناك من لا يزال حريصًا علي كي ملابسه بهذه الطريقة ويفضلها على ما عداها. وهؤلاء هم من شتى الطبقات الإجتماعية، ومن يرتدون العباءة (كعُمد القرى، والأعيان، وكبار الموظفين، والفلاحين) أو يقومون بحياكتها من أقمشة ثقيلة لا تفردها المكواة البخار سواء القديمة أو الحديثة. وهذه المحال -على قلتها- لا تخلو من الزبائن. إيداعًا واستلامًا.

فمع إطلالة كل صباح جديد وحتي نهاية اليوم ينحني بجسده النحيل، ونصفه الأعلى ويرفع ساقه اليسرى على المكواة. ويوجهها من ذراعها، يمينًا ويسارًا، كأنه راقص باليه. وأحيانًا يدق بها على الأجزاء السميكة من الملابس، والعصية على الكي. وهو يقوم بكي الملابس ثم يلتفت للشارع ليرد تحية أحد المارة، ويعاود ممارسة حرفته. ويمكنه الإنتهاء من قطعة ملابس في أقل من 5 دقائق، كما أن بعضهم يقوم بكي أكثر من 120 قطعة خلال اليوم.

وخلاصة القول:

علي ندرتهم. يعملون بجد، ويتابعون عملهم، ويملؤهم شعور بالسعادة عندما يرون الابتسامة ترتسم على وجوه مَن يقدرون قيمة العمل اليدوي. وأهمية إعادة الأناقة والرونق للملابس والمفروشات. وهم لا ينوون تغيير “كارهم”، ولن يحولوا مسارهم فهم مُتعلقون بمهنتهم، ولا نية لديهم لاستعمال المكواة الخفيفة.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  التنجيد. طقوس بهجة وسرور


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

غرباء الدنيا ناجون في الآخرة

الأحد يوليو 18 , 2021
تمت قراءته: 2٬246 أصبح الخلق يعيش في حالة من الخوف والقلق التي ربما تخلع القلوب حتى كدت لا ترى ولا تشاهد أصحاب السكينة والطمأنينة إلا نادرًا. وهذا الخوف وذلك القلق ربما لا يغيِّر من أقدار الله شيئًا بل من المؤكد أنه يزيد من الهموم والكروبات من مستقبل ربما لا تكون […]
غرباء الدنيا ناجون في الآخرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة