الطفولة المغتصبة

طفولة بين المطرقة والسندان

حوالي 86 مليون طفل من الأطفال يعيشون بالشوارع، حسب إحصائيات صندوق الأمم المتحدة، رعاية الطفولة، اليونيسيف، أطفال يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويعيشون على التسول طامعين في مساعدة قد تأتي أو لا تأتي، اتخذوا من الشوارع مأوى لهم، وانتقلوا من براءة الطفل إلى الإدمان على المخدرات، بعضهم احترف السرقة كمصدر للمال فأصبحت حياته مرتبطة بنقطتين، السجن والشارع، في حين أن آخرون فضلوا بيع المناديل الورقية أو الورود أو حتى السجائر بالتقسيط، ومنهم كذلك من أستغل من طرف مروجي المخدرات أو حتى منهم من تعرض للإستغلال الجنسي. (الطفولة المغتصبة)

الطفولة المغتصبة
Edarabia

أسباب وملامح (الطفولة المغتصبة)

هذه صورة تقريبية عن أطفال الشارع أو الطفولة المشردة ولكن الأسباب تختلف إما بنزوح جماعي بسبب الحروب، أو الهجرة السرية، أو التفكك الأسري والطلاق أو الفقر. وتنصل الأباء والأمهات من مسؤوليتهم إتجاه أطفالهم، لكن النتيجة واحدة هي التشرد والضياع بين شوارع وأزقة المدن، لفئة من بقايا أطفال بوجوه حزينة وبائسة ومتسخة، وملابس رثة وبالية، وأظافر طويلة تجمع الأوساخ، وتقاسيم وجوه تختلف باختلاف حكايات أصحابها من الأطفال الذين هم جزء من المجتمع، بل هم أطفال يصارعون الواقع من أجل العيش، وذنبهم الوحيد أن القدر لم يكن منصفًا لهم.

أطفال مشردين إعتدنا رؤيتهم في شوارعنا ومدننا، بمحطات المسافرين ومواقف السيارات وقرب المطاعم وعلى الأرصفة، حتى إنهم جعلوا من المساكن المهجورة مأوى لهم، يعانون الحرمان من أبسط الحقوق كالتعليم وحضن عائلي دافئ ومأوى يأويهم من برد الشتاء القارس ولهيب شمس الصيف الحارقة.

المصير المجهول (الطفولة المغتصبة)

تعددت الأسباب والألوان لتشكل مزيجًا من التناقضات الصارخة بين مجتمع متضامن وبين معاناة طفولة مشردة، رمى بها القدر إلى النسيان، وأصبحت فريسة سهلة لوحوش آدمية لا ترحم بين مطرقة المجتمع الذي لا يرحم وبين سندان الشارع الذي له قانونه الخاص، فمنهم من كان حظه وفيرًا ووجد مأوى يأويه، ومنهم من فقد عقلة نتيجة تعاطيه المخدرات، ومنهم من أصيب بإعاقة فاستغلها ومارس التسول، وكذلك منهم من لقي حتفه دون أن يجد من ينعيه أو يبكي عليه، التشرد واحد ولكن المصير مختلف من طفل لآخر.

هؤلاء هم أنفسهم جزء من نفس المجتمع الذي ننتمي إليه، ولكن للأسف هم نفسهم من ننظر إليهم بنظرة إحتقار ودونية، بل هناك حتى من يخاف الإقتراب منهم، كأنهم غرباء عنا جاءوا من كوكب آخر، ونحكم عليهم حكما غير منصف، ونضيف حكمنا لحكم الظروف القاسية التي رسمت طريقهم بالشوك والدم ونرفع السوط في وجههم دون مراعاة لوضعيتهم وظروفهم التي أوصلتهم لما هم عليه.

إقرأ أيضاً:  التنمر.. وسلوك التحقير للآخر

مساحة إعلانية


مجتمع بوجهين

فالمجتمع دائما ما يحاول التنصل من كل ما يشوهه ويسئ إلى بروتوكولاته، ليضل يلمع في صورته وواجهته أمام المنتديات والمنظمات والملتقيات الدولية، لكن الواقع شئ آخر تماما، ومرارته لا يستشعرها إلا الطفل المتشرد نفسه ولا يفهمها غيره، والذي يجهل حاضره ومستقبله وربما حتى ماضيه.

كما أن هناك من يتاجرون في مآسي الطفولة المشردة ويجعلون من موضوعها سلعة لإستجداء القلوب وإستعطافها للحصول على منح ومساعدات وهبات من منظمات دولية تعنى بالطفولة، ولكن ما يصل للطفل المتشرد هو أوراق تلك الجرائد التي كتبت عن هذه اللقاءات أو تلك ليجعل منها فراشا أو غطاءا لعلها تخفف عنه برودة الأرض والسماء وظلم العباد.

الإنسانية فعل وليست شعار

كيف لنا إذن أن لا نستحي من أنفسنا عندما ندعي الإنسانية والتضامن وحب الخير، وبعض من مجتمعاتنا لا يرحم أمثال هؤلاء الأطفال، الذين يزداد عددهم كل يوم بالشوارع، بل وكيف لنا أن نفرح فلذات أكبادنا بما لذ وطاب، وعلى باب العمارة أو بالشارع طفل لا يجد ما يسد به رمقه، في حين أننا نرمي ما فاض عن حاجياتنا من مأكل أو ملبس في القمامة، في وهناك من هم بأمس الحاجة لهذه اللقمة أو الملبس ومستعد للبحث عنها بين القمامة ويأكلها، لعلها تسد رمقه أو تستر جسمه النحيل.

ولكن ما عسانا نقول أو نفعل لنفوس شعارها ومن بعدي الطوفان، ولمسؤولين همهم الوحيد نفخ بطونهم وأرصدتهم المالية والبنكية، وأصحاب بعض الجمعيات والمنظمات التي تستثمر في أطفال الشوارع لأنهم لم يفهموا يومًا معاناتهم ولم يتذوق أصحابها قضاء ليلة في الشارع بين قساوة الطبيعة والجوع وتربص الذئاب الآدمية. لتبقى الطفولة المشردة مغتصبة ومصيرها بيد رب إسمه الكريم.

مع تحيات
سعيد لقراشي

(الطفولة المغتصبة)

إقرأ أيضاً:  بداية النهاية


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

قانون الجذب من منظور الدين الإسلامي

السبت أغسطس 21 , 2021
تمت قراءته: 4٬563 يقول جلال الدين الرومي مقولته الشهيرة: (قانون الجذب من منظور الدين الإسلامي) كلمات تبدو بسيطة لكن بالعمق هي عمق الكون وعمق قانون الجذب. أنت تبحث عن هدف وبنفس الوقت الهدف يبحث عنك. أنت ببحثك تسعى والسعي حركة ترددات كذلك الهدف هو دائم الحركة هو حي دائمًا له […]
قانون الجذب من منظور الدين الإسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة