العلاج بألعاب الفيديو

كثيراً ما اتُهمت ألعاب الفيديو بمسئوليتها عن “استنزاف الأوقات، وارتفاع مستوى التوترات، وكثير من السلبيات لدى “إدمانها” من مستخدميها.. صغاراً وكباراً. وكثيراً ما ألقي اللوم عليها في دفع البعض لارتكاب سلوكيات مضادة للمجتمع. لكن بالمقابل.. تبين أن هناك منافع وفوائد أخري، فسيولوجية وطبية ونفسية. (العلاج بألعاب الفيديو)

العلاج بألعاب الفيديو
مستشفى دار الشفاء

تظهر النقاشات حول ألعاب الفيديو ضرورة تجاوز التعميمات، إلى بحث بعض التفاصيل. حيث توجد اختلافات فيما بينها. فالعمليات التي تجري داخل أدمغة اللاعبين ليست واحدة في تلك الألعاب كسباقات السيارات والدراجات النارية، والألغاز، وإطلاق النار، ومطاردات الشوارع الخ.

وقد تبين أن لبعض ألعاب الفيديو (كلعبة ماريو) دور في تنشّيط بعض مناطق الدماغ عبر زيادة مساحة المادة الرمادية المسؤولة عن الإتجاهات. وتدريب الذاكرة والمهارات الحركية الدقيقة. وتفيد في التنسيق بين ما تراه العين وما يفعله الجسد. كما أن ألعاب الفيديو ـ لا سيما الاستراتيجية منها (كلعبة ستار كرافت)ـ يمكن أن تزيد من “مرونة الدماغ”.

والتي يصفها العلماء بأنها “حجر الزاوية في الذكاء البشري/ والأداء المهاري”. وقد أجرى باحثون في جامعة “تكساس” اختباراً على طلاب في المرحلة الثانوية يمارسون ألعاب الفيديو يومياً وطلاب يدرسون الطب. وقد أجرى الطلاب قيد الإختبار عملية جراحية إفتراضية. لكن اللافت أن ممارسي ألعاب الفيديو يومياً استطاعوا إجراء العملية بدقة وتركيز أكبر.

وتفيد العاب فيديو في تنمية سرعة البديهة، واتقاد الذهن، والتركيز، وسرعة اتخاذ القرارات. وأشارت الإحصائيات أن من يلعبون الألعاب الإلكترونية يتخذون القرارات أسرع بنسبة 25% ممن لا يلعبونها. ففي دراسة لجامعة «كولومبيا البريطانية» في كندا، أن مستخدمي ألعاب الحركة أكثر قدرة على تحديد سبب إلهاءهم أو تشتيت انتباههم، وأسرع على العودة للتركيز في مهمتهم الأساسية. كما توصلت دراسة أجرتها جامعة “روتشستر” إلى أن إطلاق النار على الأعداء في ألعاب الفيديو (مثل ألعاب كول أوف ديوتي،وميدل أوف أونور) يمنح اللاعب نظراً أفضل، فقوة تركيزه لقتل عدوّه تزيد من حدّة بصره. وذلك بالمقارنة مع لعبة مثل “تتريس” التي تطلب من اللاعب تدوير القطع أثناء سقوطها لتتكامل مع الأجزاء أسفل الشاشة.

فضلاً عن أن خوض المغامرات الشائقة، والتعرف علي كائنات متنوعة، واكتشاف عوالم (افتراضية) أخري، وتزكية الخيال يفتح للعقل مساحات من الإبداع علي أرض الواقع. وتساعد الألعاب المرء على أن يفعل أكثر من مهمة في نفس الوقت. حتى إن بعض الدراسات أثبتت أن اللاعب يستطيع التركيز على ستة أشياء في الوقت ذاته بدون خلطهم ببعض، بل إن اللاعب لديه القدرة على أن يحل عدة مشاكل بأكثر من طريقة مختلفة وفي مواقف مختلفة لاتساع ذهنه لكل ذلك.

إقرأ أيضاً:  لماذا يقضم بعض الأطفال أظافرهم؟

مساحة إعلانية


وقاية، وعلاج – العلاج بألعاب الفيديو

أرجعت دراسة شملت 3000 من تلاميذ المدارس واستمرت لثلاث سنوات، تأثير الألعاب المُعززة للسلوك الاجتماعي على عاطفة الطفل إلى دعمها لقدرته على الانتباه لمشاعر الآخرين وردود أفعالهم. بجانب تصرف الطفل بطريقة مفيدة للغير أثناء اللعب، وهو ما يؤثر في توافقهم مع الآخرين وتصرفاتهم في الواقع، بينما تختلف الحال تماماً مع ألعاب الفيديو العنيفة. وتعمل شركات مختصة بالألعاب التعليمية على تطوير لعبة حركة للأطفال (بين سن الثامنة والثانية عشر) بهدف تمكينهم من سرعة تقدير الأرقام، وهو ما يؤدي إلى تحسن أدائهم في الرياضيات.

كما يشارك عالم الأعصاب في جامعة “ويسكونسن ماديسون” ريتشارد ديفيدسون في تطوير لعبتين تناسب الأطفال (بين الرابعة والحادية عشر)، بغرض تطوير قدرتهم على التحكم الذاتي والتركيز الذهني وشعورهم بالتعاطف مع الآخرين. وظهر أن ممارسة ألعاب الفيديو “الأكشن” يساعد، كثيراً، فى التخلص من صعوبات وعسر القراءة الملازمة للأطفال المصابين بالديسليكسيا. كذلك في عدد من الإضطرابات السلوكية كنقص التركيز والتوحد.

وفي “نيوزيلندا” طوّر علماء نفس لعبة فيديو ثلاثية الأبعاد أطلقوا عليها اسم “سباركس Sparx”. وأظهرت نتائج اختبار سريري أنها تحارب اليأس والاكتئاب بقدر الاستشارة الطبية النفسية. حيث يختار كل لاعب شخصية ويتعرض إلى المجموعة من التحديات ويتجاوزها ليستعيد التوازن في العالم الافتراضي عن طريق تجاوز الأفكار السلبية التي بدأت تغزو هذا العالم. وفي عام 2010، قدم الباحثون شواهد في الاجتماع العلمي السنوي لجمعية الألم الأمريكية أن ألعاب الفيديو، لا سيما تلك التي تركز على الواقع الافتراضي، أثبتت فعاليتها في الحد من القلق أو الألم الناجم عن الإجراءات الطبية أو المرض المزمن. وهي تفيد في تشتت الأطفال المرضى من التركيز على الألم. واعتمدت عدد كبير من المشافي هذا الأسلوب لدى الأطفال الذين يخضعون لعلاجات مؤلمة كالأطفال المصابين بالسرطان مثلاً.

إقرأ أيضاً:  من الظواهر السيئة

مساحة إعلانية


حيث أن ألعاب الحركة التي عادةً ما تتضمن تحديات بدنية كإطلاق النار وتخطي العقبات وجمع أشياء، فلكي يتمكن اللاعب من تسجيل معدل مرتفع يحتاج إلى مهارات عدة مثل الرؤية الشاملة، ومعالجة المعلومات، وسرعة تقدير الموقف، وإنجاز مهام متعددة في الوقت الذي يُجهز فيه رد فعل سريع. وأثبتت بافيلير مع فريق من الباحثين في دراسة أجريت قبل نحو 10 سنوات، أن الأشخاص الذين يلعبون ألعاب الحركة لأربعة أيام في الأسبوع بحد أدنى ساعة واحدة في اليوم، فاقوا غيرهم في حل الألغاز البصرية، وكانوا أقدر على تقدير أعداد العناصر، ومعالجة المعلومات المعقدة بسرعة، والتحكم في تركيز انتباههم على موضع معين.

إضافة إلى سرعتهم في التحول من مهمة إلى أخرى. وأشارت نتائج الأبحاث إلى تأثيرها على تقوية حاسة البصر، فيمكن لمستخدميها التمييز بشكل أفضل بين درجات مختلفة من اللون الرمادي، وهو ما يُطلق عليه “حساسية التباين”، أو القدرة على التمييز بين الأشياء ذات التباين المنخفض، ولها أهمية كبيرة في حالة القيادة ليلاً، وتتأثر هذه القدرة مع تقدم العمر، كما تضعف لدى المصابين بمرض “العين الكسولة”، أو “أمبليوبيا”.

ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة آيوا الأمريكية.. أن ممارسة بعض ألعاب الفيديو لمدة ساعتين أسبوعياً يمكن أن تساعد على إبطاء ما يسميه العلماء “ترهل الدماغ” المرتبط بالشيخوخة، وذلك هذا العام. وتشير العديد من الأبحاث إلى أن ممارسة ألعاب الحركة من قبل مرضى السكتة الدماغية تعزز وتحسن أداء المخّ بشكل ملحوظ.

وخلاصة القول

تبين أن أنواعا من ألعاب الفيديو لها دور (وقائي وعلاجي) في تحسين حاسة الإبصار، وسرعة التعلم، وتطوير التركيز الذهني، وزيادة الوعي بالمكان، ودقة التقدير، واتخاذ القرار، والقدرة على إتمام مهام متعددة بكفاءة. إضافة إلى دورها في جعل الأطفال الشباب أكثر تعاطفاً مع الغير، وأكثر استعداداً للعطاء ومساعدة الآخرين. فضلاُ عن المساعدة في علاج بعض المشاكل الطبية ومنها مشاكل الشيخوخة.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

(العلاج بألعاب الفيديو)

إقرأ أيضاً:  صَعقات التّنمر داخل وخارج المجتمع


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

سد فراغ

الخميس مارس 3 , 2022
تمت قراءته: 1٬738 نخرج من أي علاقة مهزومين، محطمين، لا نعلم فعليا ما يجب فعله ثم بعد ذلك نحاول بكل الطرق أن نخدر آلامنا وأوجاعنا حتى لو اضطرنا ذلك لفعل أشياء لم نكن من قبل نتوقع أنه سوف يأتي يوم من الأيام ونفعلها. (العلاقات الفاشلة) لن أقول أننا يمكننا أن […]
العلاقات الفاشلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة