حرية الضمير

إن أغلى ما يملكه الإنسان هو حريته. [1]الحرية هي إمكانية الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة. … Continue reading فإن حصل عليها نأى بنفسه عن الآخرين، وإن صودرت منه -بأي طريقة كانت- بات حبيس الكبت القسري، يراكم كبته ومظلوميته حتى يشب عن الطور العام، ويؤول بنفسه إلى مصيرين لا ثالث لهما، إما تحرر من هذا الكبت والارتقاء إلى مكان سامٍ ونبيل، وأما سقوط مدوٍ لا يعرف له قرار.

وحرية الإنسان لا تقتصر على حريته الجسدية، بل تشمل حرية الفكر والدين إلى جانب حريته الاجتماعية في العيش الكريم، وبدون حرية الفكر تظل الحرية مهاجرة، بل ومغتصبة، خلف قضبان التسلط والاستبداد.

الحرية
Vecteezy

لقرون طويلة، ظل العالم يهتف باسم “الحرية”، يندد بمظلوميتها ويدعو الأنظمة المتسلطة والقمعية إلى الاعتراف بأحقية الكائن البشريّ في الحرية كأي حق إنساني يكفله النظام والقانون، وفي هذا الملف أثيرت الكثير من القضايا، واستأنف المحاربون معاركهم، واستهل آخرون معارك جديدة، ولا يزال ملف “الحرية” شائكًـا إلى يوم الناس هذا.

وبقدر ما أثير حوله من الاختلاف، أثير القدر ذاته حول استغلاله وتوظيفه في (الصراع الديني) بطريقة سيئة لا تعرفها الأديان ولم تنزل بها، بل ابتدعها الإنسان لتحقيق مآربه.

إقرأ أيضاً:  طبقة المهمشين وحقوق المواطنه

التطورات التي تشهدها دول الشرق الأوسط

يرى البعض، أن التطورات التي تشهدها دول الشرق الأوسط، اليوم، تنبئ بانفتاح عظيم على مختلف الأديان، وهي تطورات تضفي مزيدًا من المشروعية على جانب “الحريات الفردية”، وتحطم القيود التي فرضها الدين الإسلامي، كسلطة تعسفية قهرية، جاءت لتلغي حضور باقي الأديان، أو لنقل الملل والمذاهب بتوصيف أدق، وهذا قول مبالغ فيه – (على الأقل من وجهة نظري المتواضعة) – فلا الملة الإسلامية ألغت حضور الملل الأخرى، ولا العكس، ومن يعود إلى الماضي سيجد جميع الملل والمذاهب حاضرة، ومن سيقرأ تاريخ الصراع العقائدي جيدًا سيصل إلى حقيقة هذا الصراع. وهو صراع بشريّ من أجل غريزة البقاء. البقاء ولا شيء غيره.

حرية الضمير، وحرية الفكر

إن حرية الضمير، وحرية الفكر، هي أساس الحياة، الحياة وحدها؛ أما ما تعرف مجازًا بـ”الديمقراطية” فهي غير موجودة، وشخصيًا لا أؤمن بها، لسبب بسيط، وهو أننا نشاهد مسلسلات القتل والتطرف والإقصاء وتكميم الأفواه ومصادرة الحقوق بشكل شبه يومي في معظم البلدان التي تدّعي الديمقراطية وتقدسها.

نرى القوى العظمى وهي تستحل البلدان المنكوبة ومناطق الصراع دون رد اعتبار للديمقراطية، لا لشعوبها، كما حدث في الغزو الأمريكي للعراق، ولا لشعوب هذه القوى نفسها، كما حدث في بريطانيا إبان قرارها المشاركة في الحرب العالمية الثانية، إذ تجولت أكبر مظاهرة بريطانية كانت ترفض المشاركة في الحرب.

مشروع جديد للبشرية باسم الحرية

إننا، اليوم، بحاجة ملحة إلى مشروع جديد، نضع فيه آمالنا نحو الحياة الكريمة والحب والسلام والعدل والمساواة والقبول بالآخر ونبذ التطرف والغلو، مشروع حقيقي تجسده الأفعال، بعيدًا عن المشاريع المجازية التي وأدها الصراع، وفشلت في مقاومة الاستغلال لتتحول إلى مطية رخيصة. وهو وإن كان مستحيلاً، إلا انه أهلاً ليكون مطلبًا شعبويًا بديلاً لمطالب فضفاضة تختفي تحتها مشاريع التسلط والغلو.

إن الرهان الحقيقي، اليوم، ملقىً على عاتق العقول المتنورة والشريحة المثقفة، فهي وحدها من تجمع على مشروع الخلاص، وهي وحدها القادرة على تكميم أفواه البنادق بطرق سلمية، من خلال توحدها وذهابها نحو تجييش الرأي العام، والتلويح بثورة شعارها الإنسانية، ومنهاجها الحرية.
ثورة ربما تبدو خيالية حالمة، وقد تحتاج إلى وقت طويل، لكنها ستكون بمثابة المُخلِّص الذي تنتظره البشرية، فلا تزال للقلم هيبة في عصر القنابل النووية وأسلحة الدمار الشامل، كتلك التي كانت له قبل ظهورها!

حسـين الأنعمـي

 

إقرأ أيضاً:  كورونا: "من المحنة تولد المنحة"


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


الملاحظات أو المصادر

الملاحظات أو المصادر
1 الحرية هي إمكانية الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة. ويكيبديا
⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

نظرية التطور بين ميزان العقل والعلم

الأربعاء مايو 5 , 2021
تمت قراءته: 1٬324 لم تكن العينات البيولوجية التي جُمعت على متن السفينة الإنجليزية “بيجل” [HMS Beagle] بالشيء الهين، حيث انطلق “تشارلز دارون” (1809-1882م) عام 1831 ضمن رحلة استكشافية على ظهر تلك السفينة، التي أبحرت لمدة وصلت إلى ما يقرب من خمس سنوات، قام دارون من خلالها بجمع كل ما وقعت […]
نظرية التطور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة