فنون السعفيات

لا تزال “السعفيات” تزين جوانب العديد من البيوت العربية، وذلك لتميز أشكالها الجميلة، وألوانها البهية، فضلًا عن استخداماتها المتنوعة. ولا يزال الحرص على تعلم فن جَدلها، ومهارات صنعها جاريًا علي قدم وساق. ولم لا؟ فهي نموذج دال علي تراث الأجداد، وأصالة الماضي العريق، وواحدة من الحرف التقليدية، والفن الشعبي الأصيل المتواجد حيثما وُجد النخيل، “وخيراته”. وهو موجود بكثرة وكثافة عبر أقطارنا العربية.

فنون السعفيات
الوطن العربي

صناعة السعفيات، أو المنسوجات النباتية، أو النخيل، أو الخوص، أو حرفة “الخواصة”؛ مسميات عدة لحرفة يدوية تستخدم سعف النخيل. ومهما تكن التسمية، فهي ترمز إلى صنعة عريقة يُجمع فيها السعف، ويُعالج عبر “التجديل”، وتشابك أوراق الخوص مع بعضها. وهي جزء لا يتجزأ من التراث الشعبي العربي. فلا يكاد يخلو بيت من البيوت الشعبية من واحدة أو أكثر من منتوجاتها.

فالأدوات المصنوعة منه شكلت معظم الأغراض المنزلية التي يتم الاعتماد عليها في تسيير الحياة اليومية في الأكل، والشرب، والتنقل، …إلخ. كما أنها لا تزال مطلوبة، وتحرص على شرائها العديد من الأسر العربية. وإن كان بعضها ليس موضع استعمال، لكنه في كثير من الأحوال محل زينة وتجمل.

إقرأ أيضاً:  ترنيمة القدس - الحقيقة وإنتاج المعنى

أدوات، ومهارات – السعفيات

الخوص نوعان: الأول اللب/القلب، ويتميز بنصاعة بياضه. ولا يتم في العادة صبغه، بل يُترك ليَجِفّ (3-4 أيام) على حاله باللون الأبيض. ويتم تهذيبه (نقشمه)، وهو مميز بصغر حجمه، وسهولة تشكيله، فيما تُشكل فيه من منتوجات (السلال، والحصر، والسفرة، …إلخ). أما النوع الثاني: فبقية أوراق النخيل التي هي أكثر خشونة وطولًا. ويتم غمرها بالماء لتطريتها حتى يسهل تشكيلها (الحصير، وسلالة الحمالات الكبيرة، والمصافي، والمكانس، وغيرها). ومن جريد النخل تُصنع الأقفاص، والأسِرًّة، والكراسي.

ويمكن صبغ الخوص بعدة ألوان، غير الأبيض أو الحليبي الخاص باللب، مثل الأخضر، والعنابي، والبنفسجي، والأحمر، والأزرق، وغيرها بأصباغ طبيعية تتوافر في محال العطارة. وتبدأ الصباغة بغلي الماء في وعاء كبير، وتوضع فيه الصبغة المطلوبة. ثم يتم إسقاط الخوص المطلوب تلوينه، ويُترك لمدة 5 دقائق ثم يُرفع من الماء ويُوضع في الظل.

وفي صناعة الخوص تُستعمل أدوات عمل رئيسة بسيطة وميسورة، وهي الأيادي والأسنان، والعظام والحجارة المدببة، والمخايط أو المخارز التي تقوم مقام الإبرة. فضلًا عن المقص والوعاء الذي تُغمر فيه أوراق النخيل. إذ عند تصنيع الخوص الخشن لا بد من نقعه في الماء لتلينه. وليسهل تشكيله، سواءً كان خوصًا عاديًا أو ملونًا. والصبغة لا تزول بالماء. وبعد تطريته.. تبدأ صياغته بعمل جديلة طويلة وعريضة مُتقنة الصنع، مُتناسقة الألوان. ويختلف عرض الجديلة حسب نوع الإنتاج. وكلما زاد العرض، زاد عدد أوراق الخوص المستعملة، وبات العمل أصعب. وبعد صنع الجديلة، يتم تشكيل الخوص بالاستعانة بإبرة عريضة وطويلة، وخيط قد يكون من الصوف الأسود للتزيين.

إقرأ أيضاً:  ذكرى أرهقها الحنين

أغراض متنوعة – السعفيات

تبدع كثير من السيدات والرجال (إلى جانب أعمال النسيج الأخرى) في عمل العديد ‏من الأغراض والأدوات مثل: “القفار”، و”السلال صغيرة وكبيرة/القفة“، و”السرود/الصرود”، و”الأطباق”، و”السفرة”، و”المبردة”، و”المشبّ”، و”المدخنة”، و”المهفة”، و”الشماسية”، و”الجفيرة”، و”المخرفة أو المخرافة”، “الميزان”، و”المنز/البحارية”، و”الجراب/الضميدة”، وغيرها كثير مما يختلف اسمه بين بعض الأقطار العربية.

وقديمًا، كانت بيوت عربية تـُبطَّن بالحصر المزخرفة المصنوعة من خوص النخل. كما كانت تصنع من السعفيات أوانٍ منزلية كالأطباق والحصير. ومن اللافت في كثير من الأقطار العربية، أن كثيرًا من النسوة كن تتعاون في صنع السعفيات، عند تزويج بناتهن، كقطع جهاز تأخذه إلى بيت الزوجية. وتبدأ البنات الصغيرات في تعلم صناعتها بأخذ القطع الصغيرة المتبقية من مخلفات الخوص أو سعف النخيل، ومحاولة تقليد أمهاتهن بحركة أيديهن في الخوص، وعادة ما تبدأن بخوص المجبة.

لكن النساء الكبيرات لا تعملن الأقفاص، بل يقوم بعملها الرجال (حرفة أساسية لهم). كما أنهن، غالبًا، لا تتعيشن من هذه المهن، بل تعتبرن عائدها دخلًا إضافيًا. حيث تقوم النسوة بعرض منتوجاتهن وصناعتهن في الأسواق الشعبية المنتشرة عبر قُرانا، ومدننا العربية. ويُقبل على شراء هذه المنتوجات والحرف الكثير من مرتادي هذه الأسوق. ويقومون باستخدامه في الحياة اليومية كالسفرة، والحصير، والسجادة، والمهفة، وغيرها. والبعض (فضلًا عن بعض السائحين) يجعلونه “مَعلمًا” ليُذَكِّر الأبناء بحِرَفٍ يدوية مفيدة، وفنون تراثية تليدة، ومن ثَمّ تبقي في “الذاكرة الجمعية”، ولا وتندثر.

وخلاصة القول

تحظى الصناعات التقليدية والمشغولات اليدوية بشهرة واسعة عالميًا، حيث تمكنت من منافسة غيرها من الصناعات التقليدية، لما تتميز به من دقة بديعة، وأشكال جميلة، وألوان بهية، واستخدامات عدة. وستبقي صناعة الخوص خالدة، ما بقي النخيل الواسع الأنتشار في أقطارنا العربية.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  برك وبحيرات البحتري، ولامارتين


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

آداب مستحدثة في الاستئذان

الثلاثاء يونيو 22 , 2021
تمت قراءته: 2٬360 إن من الأقوال المشهورة عند البعض أن الدين صالح لكل زمان ومكان. ولكن إذا دققت النظر وتمعنت في كل ما حولك، وجدت أن الزمان والمكان لا يصلحان إلا بالدين، وحيث أننا نتكلم عن أدب من الآداب، فلا بد أن يكون للدين نصيب مما نقول. ولكن من المؤكد […]
آداب الاستئذان في الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة