وابور الجاز: نفع، وإنجاز

قديمًا، وحديثًا. انتشر “نجمه” في البيوت، وكان أحد الأغراض الرئيسة في جهاز العروس. وعاركته التطورات التقنية الحديثة فتواري عن الأنظار قليلًا. وأمسى تحفة مزركشة ترمز لما كان. لكنه يعاود الظهور أحيانًا، ليملأ فراغًا كبيرًا، ويحقق إنقاذًا وإنجازًا. (وابور الجاز)

وابور الجاز
قناة فلافل حارة على يوتيوب

يحلو للكثيرين إعتبار “وابور/ بابور/ باجور” الجاز (الكاز)، أو “موقد الكيروسين”من”ذكريات الزمن الجميل”. فكلما ذُكر -اسمًا أو رسمًا- تداعت الذكريات، لارتباطه بنسق الحياة اليومية، ومجريات المعيشة الأساسية. فقد عايشوه -وعايشناه- وسيلة إنضاج للطعام، وتسخين للماء، وإنارة في المساء، وتدفئة في الشتاء (للبيوت، والدواجن)، و”وشوشة” تجلب النعاس والإسترخاء. وفي ظهوره. انتهي إشعال نار حطب “الفرن الفلاحي/الكانون”. وألحت كل سيدة علي زوجها ليشترى “وابورًا” يريحها من إشعال الخشب، وغبار الفحم، ورائحة الدخان التي تكتم الصدور، وتلهب العيون. كما نجت الأشجار من التقليم الجائر، وقل تحميل الهواء بالرماد العاثر. وحملنه كثير من الفلاحات أينما ذهبن، وبخاصة إلى حقولهن. وشاعت إعلانات الجرائد عن “الوابور المحترم”. وظهر في العديد من المشاهد السينمائية، والمسلسات التلفزيونية. ومن أشهرها فيلم “لعبة الست”(1946) للمخرج “ولي الدين سامح”، وبطولة “تحية كاريوكا”، و”نجيب الريحاني” الذي كان يبيعها (حسن عاشور أبو طبق/ حسن وابور الجاز).

أنواعه، وتشغيله (وابور الجاز)

“وابور الجاز”/ موقد الكيروسين وسائل حصول على طاقة حرارية عن طريق إحراق الكيروسين. ويختلف شكله وطريقة تشغيله حسب نوع اللهب المطلوب إنتاجه للطهى، أو الإنارة، أو التدفئة الخ. ومن أشهر الأنواع التي اشتهرت -بمصر- في عشرينيات القرن الفائت: “وابور بتيموس/بريموس”، نسبة لبلدة فى السويد، اشتهرت بإنتاجه. وقد تم اختراعه قبل 100 عام. ويتكون الوابور/ الموقد من خزان نحاسي إسطواني بقطر نحو 20 سم، وبإرتفاع نحو 10سم (تختلف الأبعاد حسب الموديل). وبه فتحتان جانبيتان، وأخري علوية. إحدي الفتحات الجانبية هي مكبس لدفع الهواء للخزان لزيادة الضغط داخله. أما الفتحة الجانبية الأخري فغطاء لعنف تعبئة الكيروسين، ومعها صمام تفريغ ضغط الهواء الداخلى. جزئيًا أو كليًا. ويتم تركيب ماكينة الإشعال/ إنتاج اللهب أعلي الفتحة العلوية للخزان، وتثبت بقلاووظ. والماكينة عبارة عن ثلاث مواسير ملتوية من النحاس الأحمر، وتلتقى في نهاياتها بنقطة تركيب “الفونية”. وهي مكعب صغير من النحاس به ثقب دقيق يتجه لأعلى لنفث بخار الكيروسين، واشتعاله.

وتوجد على المنطقة الفاصلة بين الماكينة والخزان. صينية صاج (الطاسة) بقطر نحو 5سم لتسخين الماكينة عند بدء التشغيل. بينما يستند الخزان علي ثلاثة أرجل من الحديد ممتدة أفقيًا لأعلى الموقد (بإرتفاع نحو 30 سم) لحمل الأواني. وأحيانًا يتم وضع حمالة خارجية حول الموقد للآنية ثقيلة الوزن. ويتم تثبيت أجزاء الموقد باستخدام لحام القصدير. وبعد ملء الخزان بالكيروسين، وغلق فتحته. يتم وضع بعض الكيروسين، أو سائل سريع الإشتعال في طاسة الماكينة، لتسخينها. ويتم كبس الهواء تدريجيًا لداخل الموقد، فيندفع الكيروسين تلقائيًا نحو الفتحة الوحيدة بأعلى الموقد ليدخل في مواسير الماكينة الساخنة. وأثناء مروره يتحول للحالة الغازية، ويقابل ما تبقى من اللهب السابق توليده لتسخين الماكينة فيشتعل منتجاُ اللهب.

ويستمر اندفاع الكيروسين للماكينة ضمن دائرة التشغيل التلقائية. وعند انخفاض كمية الكيروسين بالخزان (لإستهلاكه) ينخفض الضغط/ الكمية المندفعة للماكينة، فتقل شدة اللهب. وللحفاظ على شدتها. يتم زيادة الضغط بالمكبس. وعند الرغبة في إطفاء الموقد يتم تفريغ الهواء عبر المفتاح/ الصمام الصغير الخاص بذلك، فيقل اندفاع الكيروسين، وينقطع اللهب. وتطور الموقد فصنع “وابور الشرائط” حيث كانت أعطاله أقل مقارنة بالوابور العادي.

وحسب الصوت، واللهب. يوجد نوعان من مواقد الطهي: “الساكت” منخفض الصوت/ اللهب، و”العادى” مرتفع الصوت/ واللهب الأشد. ويوجد من النوعين عدة أحجام. ولم يقتصر صانعوا الوابور على تصميمه لكى يعمل فقط. بل زودوه ببعض الإكسسوارات التى تجعل شكله جميلًا وأداءه متقنًا. ومن هذه الإكسسوارات “الطربوش” الذى يوضع أعلى الرأس فينظم خروج النار، ويجعل الرأس متناسقًا فى منظره. أما “الشبكة” فتمكن من وضع الآنية الصغيرة على الوابور لتسخينها. وللطهى الواسع النطاق أو التجارى، يتم فصل خزان الكيروسين عن إنتاج اللهب مع التوصيل بينهم بأنابيب نحاسية. وذلك لزيادة حجم الخزان ليتناسب مع مدة التشغيل الطويلة. ويمكن عمل أكثر من مصدر للهب وتغذيتها من خزان واحد أو أكثر. وتشغيله مماثل للنوع المنزلى. ومع مرور الوقت، وكثافة إستعماله. تتراكم رواسب من الجاز مما قد يسبب إنسدادًا كليًا أو جزئيًا للفونية (بضم الفاء، وسكون النون، وتشديد الياء المفتوحة)، فيتم تسليكها بإبرة مخصوصة. أما لو كان العطل كبيرًا فإنه يحتاج لسمكري البوابير.

إقرأ أيضاً:  "الماتريوشكا".. الدمية الفولكلورية لبلاد الثلج

مساحة إعلانية


“نــِعمــر. أصلح بوابير الجاز”

“نعمــر”. نداء مازال يُسمع من “سمكري البوابير” الذي يطوف الأزقة، والحارات، والشوارع. ويحمل “عِدته” الخاصة، وله طقوسه المتميزة. وبعد تحديده موطن المشكلة، يبدأ في عالجها. وقد نراه جالسًا في حانوته بين بوابير الجاز. ينفخ فى هذا لتسليك الفونية المسدودة، ويلحم هذا بالقصدير ليسد ثقبًا صغيرًا يسبب تفريغ الهواء فلا يزهر باللهب، ويُقيم أرجل هذا بعد أن تآكل أو كُسر رأسه فيجبرها أو يغيرها مما يوجد معه من قطع غيار (كوشة، وكباسات، وغطيان، ومفاتيح الخ) مستعملة أو جديدة.

يصلح وابور الجاز
دوار الفنون

“الوابور يأبي الإندثار”

لكي يعمل البابور كان لا بد أن يتوفر له الجاز، لتظهر مهنة “بائع الجاز”. ذلك الرجل الذي يقود عربة “كارو”، وعليها “فنطاس” الجاز. أو يتنقل بين الشوارع بـ”القمع”، والعربة الحديدية منادياُ: “جاز. جاز”. ومازال وابور الجاز موجوداُ بالأسواق، لكن ضعف الإقبال علي شرائه مقارنة بسنوات ماضية. وتكثر محال بيعه في أحياء العتبة، وباب الخلق، والجمالية، ومصر القديمة، وباب الشعرية بالقاهرة. ومن أقدم مصانع تصنيع بوابير، ولمبات الجاز مصنع “المدد” فى منطقة “تحت الربع” بالقاهرة. ويوفر وابور الجاز (بأسعار تصل إلي 160 جنيهاُ مصريًا) لمن يشتريه من سكان المناطق الريفية والشعبية. فهو “الملاذ الأوفر والأسرع” حينما يتعذر الحصول علي إمدادات الغاز الطبيعي، أو “إسطواناته” لتشغيل مواقد البوتوجاز أو لإنقطاع الكهرباء المتواصل. ولينطبق عليه المثل الشعبي القائل: “من فات قديمه. تاه”، حتي في وجود البوتوجاز الحديث، والميكروويف، والفرن الكهربائى الخ. كما إن البعض -في مصر وغيرها-  يقتني الوابور كتحفة فنية وديكور مُطرز بالحرير والكشمير (بألوان متعددة) للحفاظ عليه من الإندثار.

أ.د. ناصر أحمد سنه
كاتب وأكاديمي مصري

 

إقرأ أيضاً:  القـُبقاب: عصي على الاندثار


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

أنت ملتزم!

الأربعاء أغسطس 4 , 2021
تمت قراءته: 9٬442 أخبرنا نبينا أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وهنا نحن اليوم نعيش الغربة الثانية لهذا الدين حيث أصبحت كل تعاليمه وكل توصياته منافية للواقع، والحاكم الوحيد هو أهواء الناس ونزواتهم التي تسيرها الشهوات، فأصبح الخمر مشروبًا روحيًا، والفحش تحضرًا، والربا فائدة، والزنا تحرر، نعم لقد تغيرت المسميات […]
الالتزام في الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة