مقالات من كتاب “كتالوج الشعب المصري” – الفصل 2: المناخ والطقس

الزرار الثاني
“المناخ و الطقس”
المناخ المصري اللي درسنا زمان انه حار جاف صيفًا دفيء ممطر شتاء له دور “كبييير” في فهم واستيعاب العقلية المصرية. ازاي؟

المناخ المصري
The Productive Teacher

انا اقولك ازاي

بص يا سيدي، مصر بلد جوها حار جدًا والصحراء بتحاوطنا من كل الجهات مما جعل فكرة العمل الشاق تمثل رعبًا لدى المصريين إلا فيما ندر ومن رحم ربي. كان الدافع الوحيد للعمل عند المصريين هو توفير الأكل؛ ولهذا لجأوا إلى الزراعة خصوصًا أن نهر النيل ماكنش مخليهم عاوزين حاجة، وبقوا مش عارفين يودوا جمايله دي فين فقرروا انهم يقدسوه، ويرمزوا له باسم الإله “حابي” وهي الكلمة التي اشتقت منها كلمة هابي باللغة الانجليزية وتعني السعادة.

بس كان في مشكلة تانية: الفيضان

ولأن من الخصائص المزود بها الشعب المصري خاصية العند قرروا إنهم ما يستسلموش ويطوعوا الفيضان والنيل لخدمتهم ويروضوه للإستفادة منه. وفعلًا ابتكر المصري القديم أدوات ومقاييس كتير علشان تساعده في تحقيق الاستفادة القصوى من هذا النهر الكبير العظيم.

حفر قدماء المصريين الترع لتوجيه المياه إلى أماكن بعيدة عن ضفاف نهر النيل، واستخدموا الشادوف لرفع المياه من نهر النيل أو الترعة إلى الحقول الأعلى. [1]http://eternalegypt.org

الشادوف - المناخ المصري
الشادوف
Atika School

كانت الزراعة في مصر القديمة عملية منظمة مقسمة لعدة مراحل بعد أن تنسحب مياه الفيضان من الأرض إلى نهر النيل.

ويمكن تلخيص عمليات الزراعة في مصر القديمة فيما يلي: [2]الزراعة في مصر القديمة – ويكيبيديا

  • العزق: يقوم الفلاح بعزق الأرض بالفأس وحرثها بمحاريث تجرها الحيوانات.
  • بذر البذور: يقوم الفلاح ببذر البذور وإطلاق الأغنام لتغرسها بأرجلها في التربة.
  • الحصاد: حيث يجمع الفلاح المحصول في شباك أو وضعه في شكل حزم لنقله إلى الأجران او الصوامع.

مجهود جبار قام به المصريون القدماء، بس ازاي؟ مش أنا لسه قايل فوق من كام سطر إننا كمصريين بنكره العمل الشاق؟ ده حقيقي فعلًا، لكن ماتنساش إننا كشعب كان لازم نفكر في طريقة تريحنا في الزراعة وده كان سبب ابتكارنا لكل ما سبق.

المناخ المصري وعبقرية شعب مصر

المصريين شعب عبقري، المشكلة هي توجيه العبقرية دي في الاتجاه الصحيح، والاتجاه الصحيح وقتها كان الزراعة لتوفير الأكل والشرب. ودليل عبقرية الشعب المصري إن نهر النيل بيمر في دول كتير غيرنا ومناخهم وتربتهم أفضل مننا بكتير ومع ذلك لم تقم الحضارة العظيمة إلا في أرض مصر، علشان كده اللي يقولك إن مصر هبة النيل قوله لأ: “مصر هبة المصريين”.

ونتيجة لده، قرر المصريين إنهم يعيشوا بجانب نهر النيل وعلى ضفافه تاركين أكثر من 95% من مساحة مصر خالية وهي المشكلة اللي بنعاني منها حتى الآن، واللي تقريبًا مش حيكون ليها أي حل غير إن يبقى عندنا كذا نهر نيل الناس يروحوا يعيشوا حواليه! أما بالنسبة لبناء الأهرامات والمعابد، فده كان بسبب زرار تاني في الريموت اسمه الدين وحنتكلم عنه بالتفصيل في فصل لوحده لأنه من المحركات الرئيسية للشعب المصري.

الزراعة كمان كان ليها دور كبير في تشكيل المجتمع والنظام الهرمي، لأن ببساطة كان لازم يكون فيه شخص أو مجموعة أشخاص مسؤلين عن حماية المحاصيل والحبوب، والناس دي لازم تكون مدربة على الأمن والقتال، وهكذا تشكلت أول نواة لجيش نظامي وقوات أمن في تاريخ كوكب الأرض. ترسخ عند المصريين أهمية وجود قوات الأمن لحماية باقي الشعب من الجوع، وبالتالي بدأت تظهر مجموعة من الإمتيازات لهذه الفئة تعوضهم عن عدم مشاركتهم في العمل بالزراعة وفي نفس الوقت تكون حافز ليهم على الاستمرار في القيام بعملهم.

المناخ المصري حافظ على تاريخ مصر؟

المناخ المصري الجاف ساهم بشكل كبير جدًا في الحفاظ على غالبية الآثار العظيمة الموجودة حتى الآن علي مدار آلاف السنين واللي كانت ومازالت شاهدًا على عظمة هذا الشعب.

يمكن الآثار دي نفسها هي سبب مأساة هذا الشعب في العصور الحديثة لأننا صرنا نتباهى بها بشكل زائد وتوقفت بنا عجلة الزمن عند جملة “7 الاف سنة حضارة” ونسينا أو تناسينا أن الحضارة هي استمرارية وليست مجرد تاريخ وآثار.

المناخ المصري مر بعدة تغيرات على مدار ملايين السنين، تخيل إنه في سنة 1901 بمنطقة الفيوم تم إكتشاف 406 هيكل عظمي لأكبر الحيتان في العالم بالصحراء الغربية، وتبلغ الحيتان حوالي خمسين مليون سنة من العُمر وكان وقتها البحر المتوسط بيغطي الصحراء الغربية كلها من الشمال إلى الجنوب، وكانت الصحراء قاع لهذا البحر الضخم. وكانت بتعيش فيه هذه الحيتان، وتوجد هذه الحيتان في محمية طبيعية بالصحراء الغربية في مصر اسمها محمية وادي الحيتان في الفيوم.

ومع انحسار المياه تدريجيًا كانت أرض مصر كلها وصحاريها عبارة عن غابات عملاقة زي اللي بنشوفها في مناطق خط الاستواء ولكن طبعًا نظرا لسوء الحظ “الدكر” اللي بنعاني منه واللي حيكون له جزء مهم في الكتاب اختفت هذه الغابات والأراضي الخضراء ولم يتبقى لنا سوى لون اصفر هائل يقطعه خط ازرق رفيع ومن فوقه تاج اخضر هي الدلتا المصرية.

تغير المناخ المصري في السنين الأخيرة

المناخ المصري تغير أيضًا في السنين الأخيرة، فبعد بناء السد العالي توقف الطمي وتم احتجازه وراء السد ورغم هذا العيب الخطير إلا أن ده ساعدنا في حاجات تانية كتير زي انتظام الري وتوليد الكهرباء. إلا أن التغيير الملحوظ مؤخرًا كان في تحول الصيف من حار جاف الي حار جدًا رطب، وأصبح فصل الصيف موجود 10 شهور تقريبًا من شهور السنة، وأصبح فصل الشتاء قصيرًا جدًا وما بقاش دفيء ولا حاجة، أصبح باردًا جدًا وأكيد كلنا لاحظنا إن الثلوج بدأت تسقط على مصر بشكل أكثر تكرارية وهو ما لم نعهده تمامًا في ماضينا السحيق.

ونتيجة للحرارة الشديدة والرطوبة، أصبح هناك عادة مصرية اسمها التصييف، وده عادة من عادات كل الأسر المصرية وأصبحت جزء أساسي من الإحتياجات المصرية.

والتصييف هو إن الأسرة المصرية تتجه شمالًا إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط أسبوع أو اتنين في السنة للاستمتاع بالجو المعتدل نسبيًا في الصيف والاستمتاع بالسباحة في البحر المالح.

وزي ما قولنا إن التصييف أصبح من الاحتياجات الأساسية لأي مصري، حنلاقي اختراع عجيب عملاه كل الهيئات والشركات الحكومية وهو المصايف الخاصة بالعاملين، يعني كل شركة أو هيئة بتأجر عمارة أو مجموعة عمارات تكون تحت أمر الموظفين ليذهبوا إليها في الصيف بسعر مدعم. عمرك يا مؤمن شفت دولة بتدعم الفسح والرحلات؟ أكيد لأ! المواطن بره في الدول الأخرى بيقعد طول السنة يحوش علشان يقدر يسافر يتفسح بينما لو كان مصري كان زمانه بيصيف على حساب مكان عمله ومش هو بس، لأ، ده هو وأسرته وأي حد من معارفه. علشان كده بره دايمًا بيحسدونا على “الميغة” [3]اختلاط الحابل بالنابل اللي احنا عايشين فيها.

السفر للإقليم الشمالي في الصيف أصبح حق مكتسب عند المصريين، ولو انت مستثمر أجنبي جيّ تشتغل في مصر حاول إنك تتعايش مع هذه الحقيقة وياريت تجيبلهم عمارة في إسكندرية أو في الساحل الشمالي وتأجرها لهم.

بره فيه شركات بتدفع جزء من مصاريف مدارس أبناء العاملين أو أحيانًا كلها لكن في مصر ده مش مهم، أهم حاجة تخليهم يصيفوا.

وفي السنوات الأخيرة بدأت تظهر تقسيمة طبقية في التصييف، وأصبح هناك مصيف للفقراء ومصيف لأبناء الطبقى الوسطى ومصيف للأثرياء اللي بيحاولوا يبعدوا على قد ما يقدروا عن مصايف ومناطق الناس “اللوكال الشعبيين”!

مهندس/ هشام صبري
استشاري نظم إدارية وجودة

 

إقرأ أيضاً:  مقالات من كتاب "كتالوج الشعب المصري" - الفصل 1: التاريخ والجغرافيا


لا تنس أن تشترك في النشرة البريدية الأسبوعية لمنصة المقالة ليصلك جديدنا على بريدك الإلكتروني كل يوم جمعة، وذلك من خلال النموذج أدناه و بنقرة واحدة:



هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن منصة المقالة.


مساحة إعلانية


الملاحظات أو المصادر

الملاحظات أو المصادر
1 http://eternalegypt.org
2 الزراعة في مصر القديمة – ويكيبيديا
3 اختلاط الحابل بالنابل
⇐ لا تنس عمل مشاركة (Share)

المقالة التالية

نظرية النسبية ببساطة

الجمعة مايو 14 , 2021
تمت قراءته: 1٬736 تعد نظرية النسبية واحدة من أغرب النظريات التي جاد بها العقل البشري، وأكثرها إثارة وعصفًا للذهن؛ وهي نظرية عبقرية قدمها العالم الألماني “ألبرت آينشتاين” عام 1905. ورغم أنها تتفق مع المنطق والعقل السليم، إلا أنها تحتاج إلى مخيلة واسعة وعقل أكثر تفتحًا؛ وربما كان هذا هو السبب […]
النظرية النسبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: رجاء عدم محاولة النسخ، وعمل مشاركة/شير أو استخدم رابط صفحة المقالة كمرجع في موقعك - جميع الحقوق محفوظة لمنصة المقالة